الخيال المعماري: حين يصبح السكتش معرفةً مكانية والريندر حُكمًا على الواقع
كيف يقلب الفيلسوف كانط مفهوم التصميم رأسًا على عقب، ولماذا تحتاج كليات العمارة العربية إلى مراجعة علاقتها بالخيال
في استوديوهات العمارة حول العالم، تتكرّر العبارة ذاتها كل فصل دراسي: “تخيّل أولًا، ثم واجه الواقع لاحقًا.” تبدو العبارة بريئة، بل تحفيزية، لكنها تنطوي على افتراض خطير مدفون تحت سطحها اللامع — افتراض أن الخيال نقيض الواقع، وأن ما يرسمه الطالب على ورقة الكالك أو يُشكّله على شاشة الحاسوب ليس سوى “غياب” ينتظر أن يملأه الإسمنت والحديد. غير أن ورقة بحثية حديثة تتقاطع فيها الفلسفة الكانطية مع نظرية الخيال السياسي والتحليل النفسي تُقدّم طرحًا مغايرًا تمامًا: الخيال ليس فراغًا ولا اختلاقًا، بل هو — حرفيًا — شكل من أشكال المعرفة المرتبطة بالشكل، ومن دونه لا يستطيع الإنسان إصدار أي حُكم على أي شيء، بما في ذلك الفضاء المبني. وإذا كان هذا صحيحًا فلسفيًا، فإن تداعياته على الطريقة التي نُعلّم بها التصميم، ونُحكّم بها المشاريع، ونُقيّم بها صور الريندر — تداعيات زلزالية.
السكتش ليس حُلمًا: حين يُنتج القلم معرفة لا خيالًا
لفهم ما تعنيه عبارة “معرفة مرتبطة بالشكل”، لا بدّ من العودة إلى المصدر: إيمانويل كانط. في نقده الأول، عرّف كانط الخيال بأنه “القدرة على تمثيل الموضوع في الحدس حتى في غيابه”، لكنه لم يتوقف عند هذا الوصف البسيط. فقد أوضح أن التوليف الإنتاجي للخيال هو الذي يُولّد ما سمّاه “المخططات” — تلك الإجراءات التخيلية التي تُحدّد الزمن وفقًا للمفهوم، فتجعل القاعدة المجردة قابلة للتطبيق على الحالة الخاصة. وكما بيّن الباحث ألفونسو فيرّارين في دراسته المعمّقة عن الخيال والحكم في فلسفة كانط العملية، فإن “الحكم هو ملكة الإدراج تحت القواعد”، والمخطط التجاوزي هو الجسر الخيالي الذي يمنح القاعدة معنى حدسيًا حتى يمكن التعرّف على الحالة الخاصة في ضوئها.
ما يعنيه هذا معماريًا يتجاوز الشرح الفلسفي المجرد بمراحل. حين يمسك المعماري بقلم الرصاص ويبدأ في رسم سكتش أوّلي لفضاء داخلي — مدخل مبنى، أو ردهة مستشفى، أو فناء مدرسة — فإنه لا يُنتج “حلمًا” ينتظر التحقق، بل يُمارس عملية إنتاج مخططات مكانية حقيقية. الخطوط التي يرسمها تحمل في طيّاتها معرفة عن كيفية تفاعل الجسد البشري مع الارتفاعات، وعن العلاقة بين مسار الحركة وزاوية الإضاءة الطبيعية، وعن الإيقاع الذي يفرضه تتابع الفراغات الضيقة والمتسعة على إدراك المستخدم. هذه المعرفة ليست مؤجّلة إلى حين صبّ الخرسانة، بل هي حاضرة ومكتملة في لحظة الرسم ذاتها. المبنى لم يُبنَ بعد، لكن المعرفة المكانية التي يحتويها السكتش حقيقية وقابلة للاختبار والتقييم — تمامًا كما أن المعادلة الرياضية تحمل معرفة فيزيائية حقيقية قبل أن يُجرى التجريب المعملي.
هذا التمييز ليس ترفًا أكاديميًا. فيرّارين يُصرّ على أنه “لا تشريع بدون حكم، ولا حكم بدون خيال” — أي أن القاعدة الكلية لا تُؤسَّس إلا من خلال التفسير التأملي للجزئيات، والجزئيات لا تُعرف بوصفها ذات صلة أخلاقية أو سياسية إلا على خلفية نظام متخيَّل من الغايات. في العمارة، هذا يعني أن أي قرار تصميمي — مهما بدا بسيطًا — هو في جوهره فعل حُكم يستند إلى خيال مُنتج، لا إلى غياب واقع.
ثلاث طبقات للخيال: من الصورة إلى الأفق
ما يجعل هذا الإطار الفلسفي بالغ الثراء للممارسة المعمارية هو أنه لا يختزل الخيال في طبقة واحدة. البحث يُميّز بين ثلاث طبقات متداخلة، وكل واحدة منها تجد صدىً مباشرًا في عالم التصميم.
الطبقة الأولى هي مستوى الصور والمتخيَّل — ذلك السجل من التمثيلات والرموز الجمعية التي يُصوَّر فيها الواقع ويُعاد تصويره. في العمارة، هذا هو مستوى الصور المرجعية التي يجمعها المعماري في بداية أي مشروع: صور لمبانٍ ملهمة، ومشاهد مدينية، وأنسجة مادية. هذه الصور ليست زينة ذهنية، بل هي البنية التحتية البصرية التي يُبنى عليها كل قرار تصميمي لاحق.
الطبقة الثانية هي الخيال بوصفه نشاطًا مُشكِّلًا — القوة التفسيرية التي تُنظّم هذه الصور وتمنحها بنية. كانط سمّى هذه القوة “ملَكة التأليف” ونسب إليها القدرة على توليد وحدتها القانونية الخاصة باستقلال عن المفاهيم المحددة مسبقًا، كما أوضحت الباحثة لاريسا أوستاريتش في دراستها عن الانسجام الحر بين الملَكات وأولوية الخيال في الحكم الجمالي الكانطي. في الاستوديو المعماري، هذه هي اللحظة التي ينتقل فيها المعماري من جمع الصور إلى تأليف تصوّر مكاني جديد — لحظة “القبض على المفهوم التصميمي” التي يعرفها كل من مارس التصميم.
الطبقة الثالثة هي الطبقة التجاوزية: الخيال بوصفه الأفق الذي تتكوّن عليه الموضوعات والمعايير والإمكانيات لذاتٍ تُصدر أحكامًا. هذا هو المستوى الأعمق والأكثر إثارة للجدل معماريًا، لأنه يقول إن الخيال ليس مجرد أداة يستخدمها المعماري، بل هو الأفق الذي يُحدّد ما يمكن للمعماري أن يراه أصلًا بوصفه ممكنًا. المعماري الذي لم يتعرّض أبدًا لعمارة الطين في صعيد مصر أو حضرموت اليمن لا يفتقر فقط إلى “مرجع بصري”، بل يفتقر إلى أفق خيالي كامل — مساحة كاملة من الإمكانيات المكانية لم تتشكّل أبدًا في وعيه التصميمي. وهذا يعني أن توسيع الخيال المعماري ليس مسألة “إلهام” بل مسألة معرفة.
أزمة الريندر: هل الصورة الرقمية كذبة أم حُكم مكاني؟
العمارة المعاصرة تعيش ما يمكن تسميته “أزمة الريندر الوجودية.” مكاتب معمارية كبرى تُنفق آلاف الساعات في إنتاج صور رقمية فائقة الواقعية لمبانٍ لن تُبنى أبدًا — صور تُعرض في مسابقات، وتُنشر في مجلات، وتُحرّك أسواقًا عقارية كاملة. النقاد يتّهمون هذه الصور بأنها “اختلاق بصري” — كذب مُتقن يُغري العين ويخدع المستثمر. لكن إذا طبّقنا الإطار الكانطي الذي يطرحه هذا البحث، فإن السؤال يتغيّر جذريًا.
صورة الريندر، في ضوء هذا الإطار، ليست “اختلاقًا” بل هي حُكم مكاني مُجسَّد — تمثيل بصري يحمل معرفة حقيقية عن علاقة الضوء بالمادة، وعن تأثير النسب على الإدراك البشري، وعن الإيقاع الذي يخلقه تتابع العناصر المعمارية في مشهد واحد. حين يُعدّل المعماري زاوية الشمس في برنامج الريندر ليرى كيف يسقط الظل على واجهة مبنى لم يُبنَ بعد، فإنه لا يكذب — إنه يُنتج مخططًا ضوئيًا-مكانيًا يحمل معرفة قابلة للاختبار عن سلوك الضوء في ذلك الموقع وبتلك التوجيهات. هذه المعرفة ستظل صحيحة حتى لو لم يُبنَ المبنى أبدًا.
ما يدعم هذا الطرح فلسفيًا هو قراءة مثيرة للغاية أوردها البحث عن جان-بول سارتر. فسارتر، الذي يُنظر إليه عادةً باعتباره فيلسوف “نفي الواقع بالخيال”، قدّم في كتابه عن المتخيَّل مثالًا كاشفًا: المقلّدة فرانكوناي وهي تؤدي دور المغني شوفالييه. في هذا المشهد، لا يستبدل الخيال موضوعًا غائبًا بموضوع حاضر. بل يرى المتفرج شخصًا في شخص آخر، فيكتشف تقاربات وإمكانيات لم يكشفها الإدراك العادي. كما أوضح الباحث لورن ليفي في دراسته التي قدّمت تفسيرًا جديدًا لمفهوم سارتر عن الخيال، فإن الخيال هنا “يُثري الإدراك ويُوسّعه” ويكشف العالم بوصفه فضاء اتصالات ممكنة. هذا بالضبط ما يحدث حين ينظر معماري إلى صورة ريندر جيدة: لا يرى مبنى غائبًا، بل يرى إمكانيات مكانية حاضرة في الصورة ذاتها — إمكانيات قد تكشف عن علاقات لم تكن واضحة في المسقط الأفقي أو القطاع.
السؤال المثير الذي يطرحه هذا الإطار ليس ما إذا كانت صور الريندر “حقيقية” أم “مزيّفة”، بل ما إذا كنا نملك أصلًا الأدوات الفلسفية لفهم نوع الحقيقة التي تحملها. وربما يكون غياب هذه الأدوات — لا طبيعة الصور ذاتها — هو مصدر الأزمة الحقيقية.
لجنة التحكيم والحُكم التأملي: لماذا تفشل استوديوهات العمارة العربية
إذا كان الخيال هو الوسيط الذي يجعل الحُكم ممكنًا، فإن المكان الذي تتجلّى فيه هذه العلاقة بأقصى حدّتها في الممارسة المعمارية هو لجنة تحكيم المشاريع. في كل كلية عمارة، يقف الطالب أمام هيئة من المحكّمين ليعرض مشروعه، ويتلقّى حكمًا يتراوح بين القبول والرفض، بين الإعجاب والتفكيك. لكن ما طبيعة هذا الحكم؟
كانط ميّز بين نوعين من الحكم: الحكم المحدِّد الذي يُدرج الجزئي تحت قاعدة كلية معروفة سلفًا، والحكم التأملي الذي يبدأ من الجزئي ويبحث عن قاعدة لم تُعطَ بعد. أوستاريتش أوضحت أن الخيال في الحكم الجمالي الكانطي يستطيع أن “يُخطّط” بما يتجاوز أي مفهوم محدد — أن يُظهر قانونية ليست مستعارة من مفهوم مسبق، وأن يُلمّح بذلك إلى أساس فوق-محسوس للحرية. هذا هو بالضبط ما يحدث — أو ما ينبغي أن يحدث — في لجنة التحكيم المعمارية: المحكّم الجيد لا يحكم على المشروع بقائمة معايير ثابتة، بل يستخدم حكمه التأملي لتقييم ما إذا كان الفضاء المقترح “ينجح” في خلق علاقات مكانية لم تكن متوقعة، وما إذا كان المشروع يُولّد معنى يتجاوز مجموع أجزائه التقنية.
المشكلة أن كثيرًا من لجان التحكيم في كليات العمارة العربية تعمل وفق النموذج المعاكس تمامًا. تُعامِل الخيال باعتباره “غياب الواقع”، فتطالب الطالب بأن يكون “عمليًا” و”واقعيًا”، وتختزل التقييم في قائمة تحقّق تقنية: هل تتوافق المساحات مع الكود؟ هل الهيكل الإنشائي منطقي؟ هل الميزانية معقولة؟ هذه أسئلة مشروعة بلا شك، لكنها تنتمي إلى الحكم المحدِّد لا إلى الحكم التأملي. وحين يُختزل التحكيم المعماري في الحكم المحدِّد وحده، تُقتل المعرفة المكانية الحقيقية التي يُنتجها خيال الطالب — تلك المعرفة التي لا تملك بعد مفهومًا جاهزًا تندرج تحته، لكنها تحمل إمكانية مكانية حقيقية تستحق الاستكشاف.
هذا ليس دفاعًا عن الفوضى التصميمية أو عن مشاريع منفصلة عن سياقها. على العكس تمامًا: فيرّارين يؤكد أن “الأمر القاطع الكانطي لا يمكن تنفيذه آليًا؛ بل يجب أن يُخطَّط — أن يُمنح عرضًا تشبيهيًا أو رمزيًا — وهذا يتطلب حكمًا بوصفه تفسيرًا وتوجيهًا.” بالمثل، المشروع المعماري الجيد ليس ذاك الذي يتجاهل القواعد، بل ذاك الذي يُخطّط القواعد — يمنحها عرضًا مكانيًا خاصًا بالموقع والسياق والبرنامج، فيكشف عن إمكانيات لم تكن القاعدة وحدها لتُنتجها.
بين الاحتكاك المعرفي والانغلاق الشعري: فخّان يهدّدان الخيال المعماري
البحث يُحذّر من فخّين يتهدّدان أي نظرية للخيال، وكلاهما يجد ترجمة مباشرة في الممارسة المعمارية.
الفخ الأول مصدره إطار ميراندا فريكر عن الظلم المعرفي. فريكر طوّرت مفهوم “الظلم التأويلي” الذي يقع حين تضع فجوة في الموارد التفسيرية الجمعية الذوات المهمّشة في موقف غير عادل يمنعهم من فهم تجربتهم الاجتماعية. هذا المفهوم بالغ الأهمية — فكم من مجتمعات محلية لا تملك اللغة المعمارية للتعبير عن احتياجاتها المكانية أمام المخطط الحضري أو المطوّر العقاري. لكن الباحثة تريسا غوتزه أوضحت أن هذا النموذج يحتاج إلى تعقيد عبر مفهوم “الاعتراض التأويلي”: المجموعات المهمّشة غالبًا ما تُنتج أدواتها التفسيرية الخاصة، بحيث لا تكون الفجوة غيابًا شاملاً للمعنى بل توزيعًا تفاضليًا للمعنى عبر اقتصادات تأويلية محلية. كما أن الباحث خوسيه ميدينا ذهب أبعد من ذلك في دراسته عن المقاومة الجمالية، حيث أوضح أن المقاومة المعرفية لا تتطلب فقط تصحيح العجوزات بل تحويل الحساسية — بُعد جمالي تُنتج فيه التدخلات الفنية والعامة “احتكاكًا معرفيًا” يفتح المتلقّين على أصوات مُسكَتة وقواعد نحوية لم تُسمع.
لكن الخطر يكمن في اختزال الخيال المعماري في وظيفته المقاوِمة فحسب — أي في افتراض أن الخيال لا يوجد إلا حيث يحتكّ بالظلم. الحقيقة أن الخيال هو القوة التأسيسية التي تجعل إنتاج معانٍ جديدة وعوالم جديدة ممكنًا أصلًا، قبل أي صراع محدد وبعده. العمارة المقاوِمة مهمة — عمارة المجتمعات المهمّشة، والتصميم التشاركي، والتدخلات الحضرية النقدية — لكنها ليست الوظيفة الوحيدة للخيال المعماري ولا ينبغي أن تكون. الخيال أفقٌ لا مجرد احتكاك.
الفخ الثاني مصدره غاستون باشلار وشعرية الفضاء. يبدو هذا مفارقة، لأن باشلار يحتفي بالخيال ويُعرّفه بأنه “ليس ملَكة تشكيل صور الواقع بل ملَكة تشكيل صور تتجاوز الواقع وتُغنّي الواقع.” هذا التعريف بالغ الجمال والعمق، كما أوضح الباحثون تيبوتو ومارتينيز وياغر في دراستهم عن نظرية الخيال عند باشلار. لكن خطره يكمن في حصر الخيال في عالم التأمل الحميم والعناصر المادية — النار والماء والهواء والتراب — وفصله عن البُعد العام والخطابي والسياسي لتشكيل الواقع، كما حلّل ماغريني في دراسته عن السكن والخيال الإبداعي في فينومينولوجيا باشلار. في العمارة، هذا الفخ مألوف جدًا: المعماري الذي يغرق في “شاعرية المكان” ويُنتج فضاءات جميلة لكنها منفصلة تمامًا عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. الخيال المعماري الذي يتحوّل إلى “مادة نفسية” خاصة — تأملات فردية عن جماليات الخشب والحجر — يفقد قدرته التحويلية لأنه ينسحب من الميدان الذي يُنتج فيه المعنى المشترك.
البديل الذي يطرحه البحث هو الاحتفاظ ببصيرة باشلار عن فائض الصورة وتجاوزها للذات، مع الإصرار — بالتوازي مع نظرية المتخيَّل السياسي كما قدّمها الباحثان كريغ براون وبولا ديل — على أن الصور والأشكال هي أيضًا جمعية ومُؤسَّسة وقابلة للطعن والمنازعة. والأدبيات التحليلية-الاجتماعية، كما أوضح الباحث مات فيتش في دراسته عن الخيالات الواقعية، تُحذّر بوضوح من اختزال المتخيَّل في “مسرح خاص” داخل الرأس أو — على العكس — في خطاب مجرد فحسب: الخيال ليس زينة داخلية ولا سطحًا خطابيًا، بل واقعة اجتماعية قائمة بذاتها. في العمارة، هذا يعني أن الفضاء المتخيَّل — سواء كان سكتشًا أو ريندر أو نموذجًا رقميًا — ليس تأملًا خاصًا ولا خطابًا مجردًا، بل هو فعل اجتماعي يُنتج معرفة مكانية مشتركة ويُعيد تشكيل أفق الممكن الجمعي.
المبنى الافتراضي: حين لا يعود البناء الفيزيائي شرطًا لوجود العمارة
ما يُضفي على هذا الإطار الفلسفي إلحاحه الراهن هو التحولات التقنية التي تعيشها المهنة. في عصر الميتافيرس والواقع الافتراضي والتوائم الرقمية، تُبنى فضاءات معمارية كاملة لا توجد فيزيائيًا — فضاءات يتجوّل فيها المستخدمون ويتفاعلون معها ويُصدرون أحكامًا جمالية حقيقية عليها. هل هذه الفضاءات “غياب” أم “واقع”؟
الإطار الكانطي الذي يُقدّمه البحث يسمح بإجابة لم تكن ممكنة ضمن الأطر التقليدية: هذه الفضاءات واقع معماري مكتمل، لأنها تُنتج مخططات مكانية حقيقية وتُثير أحكامًا جمالية حقيقية لدى المستخدم. فالمعيار ليس الوجود الفيزيائي للمادة، بل إنتاج معرفة مكانية تتوسّط بين القاعدة والحالة الخاصة — وهذا يحدث في الفضاء الافتراضي بقدر ما يحدث في الفضاء المادي.
هذا الطرح يجد سندًا في قراءة البحث لفوكو. فكما أوضح الباحث تامسين واندل في تحليله لخطاب القوة عند فوكو، فإن السلطة “تُنتج الواقع؛ تُنتج مجالات الموضوعات وطقوس الحقيقة” — ما يعني أن كل مجال مُهيكَل للحكم هو أثر من آثار المعرفة-السلطة. إذا كانت الفضاءات الافتراضية تُنتج مجالاتها الخاصة من الموضوعات وطقوس الحقيقة — وهي تفعل ذلك بوضوح من خلال اقتصادات رقمية ومعايير تصميم وتجارب مستخدم — فإنها تُشكّل مجالات حكم مُهيكَلة لا تختلف بنيويًا عن تلك التي تُنتجها المباني الفيزيائية. والخيال المعماري الذي يعمل داخل هذه المجالات الافتراضية لا يختلف من حيث طبيعته المعرفية عن الخيال الذي يعمل داخل المجالات الفيزيائية — كلاهما يُنتج مخططات تتوسّط بين القواعد والحالات الخاصة، وكلاهما يُمكّن الحكم.
كما أن نظرية المتخيَّل السياسي تُقدّم بُعدًا إضافيًا: الباحثان براون وديل أوضحا أن المتخيَّل السياسي هو “الحِمَم البركانية” (الصهارة) التي تتعايش فيها المعاني المُؤسَّسة مع التيارات المُؤسِّسة التي تستطيع أن تطعن فيها. الفضاء الافتراضي المعماري هو بالضبط هذا النوع من الصهارة: مكان تتعايش فيه المعايير المعمارية المؤسَّسة مع إمكانيات لم تُختبر بعد — مكان يُمكن فيه للخيال أن يطعن في المعايير السائدة دون أن يضطر إلى دفع ثمن الخطأ المادي. كما أكدت دراسة هاولينا وبيدرسن وزيتون عن الخيال والحركات الاجتماعية، فإن الخيال يُحرّك الحركات الاجتماعية من خلال حركات حوارية بين ماضٍ مُتذكَّر ومستقبل مُتخيَّل، ومن خلال القوة “الاستباقية” للمستقبلات المتخيَّلة في إعادة تنظيم قراءة الماضي. الفضاء الافتراضي المعماري يمنح هذه القوة الاستباقية شكلًا مكانيًا ملموسًا.
لكن الباحثين ليليا وفينثاغن في دراستهما عن أشكال السلطة والمقاومة يُذكّراننا بأن المقاومة لا يمكن أن تستند إلى “خارج” نقي — إنها تعمل من خلال إعادة صياغة الخطاب المهيمن، ومن خلال التكرار مع الاختلاف، ومن خلال “الخطاب المعكوس” الذي يتحدث بالمفردات ذاتها ليطعن في المعيار. في العمارة، هذا يعني أن الخيال الافتراضي الأكثر تحويلًا ليس ذاك الذي يتجاهل قواعد العمارة الفيزيائية بل ذاك الذي يأخذها ويُعيد صياغتها — يُكرّرها مع اختلاف يكشف عن إمكانيات لم تكن ظاهرة.
ربما نقف على عتبة تحوّل جذري في تعريف العمارة ذاتها: حيث لا يعود “البناء الفيزيائي” هو المعيار الوحيد لوجودها، وحيث يصبح الخيال — بطبقاته الثلاث، من الصورة إلى النشاط المُشكِّل إلى الأفق التجاوزي — هو الميدان الحقيقي الذي تُنتج فيه المعرفة المعمارية وتُمارَس فيه أحكامها. ليس لأن المادة لا تهم، بل لأن المادة نفسها لا تصبح “معمارية” إلا حين يمنحها الخيال شكلًا ومعنًى وأفقًا — إلا حين تمرّ عبر ذلك الجسر الذي رآه كانط قبل قرنين: الجسر الذي بدونه لا قاعدة تُطبَّق ولا حُكم يُصدَر ولا عالم يُسكَن.
✦ ArchUp Editorial Insight
الفصل المستمر بين الخيال والواقع في استوديوهات العمارة ليس إغفالًا تربويًا، بل سمة بنيوية لنظام تعليمي مُعايَر لإنتاج ممارسين يستبطنون تجنب المخاطر قبل أن يُنمّوا حكمًا مكانيًا حقيقيًا. حين تختزل هيئات الاعتماد تقييم التصميم في قوائم التحقق من الامتثال للكود، وحين تستهلك الأسواق العقارية صور الريندر فائقة الواقعية بوصفها أدوات مالية لا مقترحات مكانية، فإن المهنة تُجرّد الخيال من مكانته المعرفية بشكل منهجي. أزمة الريندر واختلال لجان التحكيم ليستا إخفاقًا في الموهبة الفردية، بل نتيجتان منطقيتان لجهاز حوكمة ومشتريات يُكافئ اليقين القابل للتحقق على حساب الغموض المُنتج. وإلى أن تُعيد كليات العمارة هيكلة أطر التقييم لتتعامل مع الخيال المكاني بوصفه شكلًا من أشكال المعرفة لا تمرينًا تمهيديًا، ستظل المهنة تُنتج مباني تُلبي اللوائح وتُغلق في الوقت ذاته الاحتمالات التي وُضعت تلك اللوائح لخدمتها.
المراجع
- فيرّارين، أ. “الخيال والحكم في فلسفة كانط العملية”. الفلسفة والنقد الاجتماعي، 2008.
- أوستاريتش، ل. “الانسجام الحر بين الملَكات وأولوية الخيال في الحكم الجمالي عند كانط”. المجلة الأوروبية للفلسفة، 2017.
- براون، ك. وديل، ب. “مفهمة المتخيَّل السياسي: مقدمة للعدد الخاص”. الإبستمولوجيا الاجتماعية، 2019.
- هاولينا، هـ. وبيدرسن، أو. وزيتون، ت. “الخيال والحركات الاجتماعية”. الرأي الحالي في علم النفس، 2020.
- بوت سبيليوس، إ. “فرويد وكلاين حول مفهوم الخيال اللاواعي”. المجلة الدولية للتحليل النفسي، 2001.
- غيرسون، س. “الخيال اللاواعي والواقع العلائقي”. بحوث التحليل النفسي، 2008.
- فيتش، م. “الخيالات الواقعية: إعادة إدراج المتخيَّل في مشهد اللقاء الاجتماعي”. التحليل النفسي والثقافة والمجتمع، 2019.
- ليفي، ل. “أنماط التخيّل: تفسير جديد لمفهوم سارتر عن الخيال”. المجلة البريطانية لعلم الجمال، 2019.
- ليفي، ل. “سارتر وريكور حول الخيال الإنتاجي”. مجلة الفلسفة الجنوبية، 2014.
- تيبوتو، ك. ومارتينيز، أ. وياغر، د. “غاستون باشلار والفينومينولوجيا: معالم نظرية في الخيال”. مجلة علم النفس الفينومينولوجي، 1999.
- ماغريني، ج. “السكن والخيال الإبداعي في فينومينولوجيا غاستون باشلار: العودة إلى الفضاء الشعري للتربية والتعلم”. فلسفة التربية ونظريتها، 2016.
- واندل، ت. “قوة الخطاب: ميشيل فوكو والنظرية النقدية”. القيم الثقافية، 2001.
- ليليا، م. وفينثاغن، س. “السلطة السيادية والسلطة التأديبية والسلطة الحيوية: مقاومة أي سلطة بأي مقاومة؟”. مجلة السلطة السياسية، 2014.
- غوتزه، ت. “الاعتراض التأويلي وأنواع الظلم التأويلي”. هيباتيا، 2018.
- ميدينا، خ. “المقاومة الجمالية: إعادة تخيّل الإبستمولوجيا النقدية وقواعد الصمت النحوية”. الإبستمولوجيا الاجتماعية، 2024.
- بيا لارا، م. “الحكم التأملي بوصفه كشفًا للعالم”. الفلسفة والنقد الاجتماعي، 2008.







