Home » المشاريع » بنيتان متوازيتان في جناح “لا غريتا”: هيكل خشبي متشابك وفريق يتعلّم بالتنفيذ

بنيتان متوازيتان في جناح “لا غريتا”: هيكل خشبي متشابك وفريق يتعلّم بالتنفيذ

Exterior wide shot of La Grieta Pavilion featuring stacked wooden block walls and an angled roof, set against a dramatic mountain backdrop.
The timber pavilion stands integrated within its natural landscape beneath the mountain ridge. (Image © Paco Alvarez)

الجناح بوصفه تمرينًا في الضوء والمادة

يقوم جناح «لا غريتا» على فكرة أن العمارة فعل تشاركي وتجريبي في آنٍ واحد، فلا يُقرأ المبنى هنا كمنتج نهائي مكتمل، بل كمساحة تُختبر فيها العلاقة بين الضوء والزمن والفراغ. وبذلك يتحول الجناح إلى أثر معماري قائم، وفي الوقت نفسه إلى ورشة تعليمية مفتوحة، تنتقل فيها المعرفة من الرسم إلى التنفيذ، ومن التصور المجرد إلى التعامل المباشر مع الأنظمة المادية. وعندما يقترب الزائر من المبنى، يقرأ في حضوره هذا الأصل التجريبي: فالتكوين لا يخفي منطق بنائه، بل يعرضه كجزء من تجربته.

منطق الكتل الخشبية المتشابكة

يعتمد الإنشاء على نظام الكتل الخشبية المتشابكة (BME)، حيث تُجمَّع وحدات خشبية متعاشقة تشكّل معًا غلافًا وبنية في الوقت ذاته. ومن ثمّ لا ينفصل الهيكل عن السطح، ولا تنفصل الحمولة عن الملمس، فيتلقى الجسد المادة بوصفها بنية مرئية ومحسوسة معًا. كما أن هذا الأسلوب خفيف الوزن وقابل للتكيف، وينسجم مع مبادئ العمارة المتجددة، إذ يقلل البصمة الكربونية ويعتمد على خشب مصدره موارد غابية تدار بمسؤولية في منطقة سييرا دي دورانغو، وهو ما يعكس فلسفة Habiteo في البناء الواعي.

الأثر الحسي والتجربة الإنسانية

عند العبور إلى الداخل، يشعر المستخدم بأن الخشب يصنع أجواءً دافئة وقابلة للاحتضان، فتتحول المادة من عنصر إنشائي إلى وسيط نفسي يهدّئ الإيقاع ويقرّب المقياس من الجسد. وبين الكتل المتشابكة، يتشكل الفراغ بالتدريج، ويصبح الضوء عنصرًا زمنيًا يتبدل مع حركة الشمس، فتتغير قراءة الفراغ من لحظة إلى أخرى. أما الطلاب الذين شاركوا في التنفيذ، فقد اختبروا هذا المنطق من الداخل، وفهموا كيف يمكن لنظام إنشائي بديل أن يجمع بين الكفاءة البيئية والأثر الإنساني.

Visitors standing near the timber facade of La Grieta Pavilion with layered wooden blocks and a sloped roof structure.
زوار يستكشفون الغلاف الخارجي ذي الملمس المتنوع، والذي تشكّل من خلال وحدات خشبية متراكبة. (الصورة © باكو ألفاريز)
Side perspective of La Grieta Pavilion showcasing the layered wooden block walls and overhanging roof structure.
تحدد عوارض السقف البارزة والبناء المتشابك بالكتل الحجم المعماري. (الصورة © باكو ألفاريز)

الورشة بوصفها بناءً يُتعلَّم بالجسد

لم تفصل الورشة بين التلقي النظري والفعل التنفيذي، بل جعلت من البناء نفسه وسيلة التعلّم. وعلى مدى ثلاثة أسابيع مكثفة، نفّذ الطلاب الجناح بالكامل تحت إشراف الأساتذة والمتعاونين. وفي المرحلة الأولى، تعرّفوا على أدوات البناء والوثائق المعمارية واللوائح وعمليات إدارة التنفيذ، وفي الوقت نفسه درسوا المنطق الإنشائي لنظام BME. ثم إن الاحتكاك المباشر بالمادة نقل هذه المعرفة من مستوى المعلومة إلى مستوى الحدس، فاكتسبوا سريعًا فهمًا للتجميع والدقة وتسلسل مراحل البناء.

من الرسم إلى الموقع: تسلسل الفعل الإنشائي

في الموقع، انتقلت المسؤولية إلى الطلاب بالكامل، بدءًا من تحديد الموقع والتسوية والحفر، مرورًا بالأساسات والصب، وصولًا إلى التجميع المتتابع لنحو 3,000 كتلة خشبية. وبذلك عاشوا المشروع كسلسلة مترابطة، يقود فيها كل قرار إلى قيد مادي يليه. وهنا تحديدًا يظهر جوهر التجربة: فالرسم المعماري لم يعد نهاية العملية، بل صار نقطة انطلاق تُختبر فيها قرارات التصميم أمام صلابة المادة ودقة التنفيذ. ومع تكرار فعل التجميع، تحوّل الجهد إلى إيقاع جماعي، تُرصّ فيه الكتلة فوق الكتلة، فيتراكم الفراغ بصريًا وجسديًا أمام من يبنيه.

العمل الجماعي كبنية موازية

وإلى جانب البنية الخشبية، تشكّلت بنية اجتماعية داخل الفريق. فقد تعرّف الطلاب على نقاط القوة الفردية لكل منهم، ثم نظّموها بحيث تتكامل: من الدقة التقنية والفهم المكاني، إلى التنفيذ البدني والتنسيق. وهكذا برهن العمل على أن العمارة ممارسة تعاونية بطبيعتها، لا يكتمل فيها المبنى إلا بتوزيع الأدوار وتكامل المهارات، تمامًا كما لا يكتمل الجناح إلا بتعاشق كتله.

Architectural floor plan drawing of La Grieta Pavilion showing the labyrinthine circulation path and wall dimensions.
مسقط أفقي يوضح التسلسل الفراغي الداخلي وتكوين الجدران.
Interior view of La Grieta Pavilion showing sunlight penetrating through a narrow roof skylight gap onto wooden walls.
ينفذ ضوء الشمس عبر الفتحة المدروسة في السقف، مضيئًا الملمس الخشبي الداخلي. (الصورة © باكو ألفاريز)

الشق بوصفه حدثًا ضوئيًا

يتشكّل جناح «لا غريتا» كتلةً مظلمة تخترقها فتحة ضيقة هي «الشق»، وهي ليست مجرد نافذة، بل الأداة التي يُقرأ بها الفراغ كله. فقد جرى تحديد موقعها بعناية عبر دراسات شمسية التقطت حركة الضوء على مدار اليوم، ومن ثمّ يصبح الضوء هنا مادة تصميمية تُصاغ بها التجربة. وحين ينفذ الشعاع إلى الداخل، لا يضيء الفراغ دفعة واحدة، بل يغمر الأسطح الخشبية تدريجيًا، فتتبدل الأجواء وتتحول الإحساسات باستمرار. ولذلك لا تتكرر الزيارة نفسها مرتين، إذ تحددها اللحظة الزمنية والفصل وطريقة الإدراك.

مسار متاهاتي بين العتمة والضوء

في الداخل، يعمل الجناح كمسار متاهاتي انتقالي، ينتقل فيه الجسد من الظلام إلى الإضاءة بإيقاع بطيء. وعند العبور، ينفصل الزائر عن المشتتات الخارجية، فتتراجع الصور المعتادة ويحلّ محلها انتباه حاد للإحساسات المكانية الأولية: الظل، والملمس، والصمت، والمقياس، ودفء المادة. وبين الاحتواء والانفتاح الضوئي، يتشكل تفاعل منضبط يوجّه الحركة والنظر معًا، فيتحول الفراغ من مكان يُعبَر إلى حالة تُعاش. وهكذا يصبح الجناح أداة للتأمل والوعي، تستثمر عتمة الكتلة ليكتسب الضوء القليل ثقلًا وحضورًا.

ما بعد الهيكل المؤقت

ومع ذلك، لا ينحصر أثر الجناح في تجربته الحسية، فقد تجاوز كونه هيكلًا مؤقتًا ليعمل كمنصة للتعلم الجماعي. وفي هذا السياق، يوضح المشروع كيف يمكن للبناء المستدام، وتجريب المواد، والممارسة التشاركية أن تسهم في تشكيل العمارة نفسها، وكذلك في تشكيل فهم الأجيال القادمة من المعماريين لمسؤوليتهم تجاه البيئة والمجتمع.

Architectural section drawing of La Grieta Pavilion depicting interior heights, human scale, and roof slope.
قطاع معماري يوضح ميل السقف ونقاط دخول الضوء إلى الداخل.
Straight-on view of the solid wooden block facade of La Grieta Pavilion framed by green foliage.
منظر تفصيلي للنمط الأفقي للأخشاب الذي شكّله نظام البناء BME. (الصورة © باكو ألفاريز)

تحليل ArchUp التحريري

يكشف جناح «لا غريتا» عن منظومة تعليمية أكثر مما يكشف عن مبنى: فحين تتحول ثلاثة أسابيع مكثفة إلى إطار يُنجَز فيه بناء كامل، من التسوية والحفر إلى رصّ نحو 3,000 كتلة خشبية، يصبح النظام الإنشائي BME أداة لضغط الزمن قبل أن يكون خيارًا مادّيًا. ولا يبدو الخشب المتعاشق هنا قرارًا بيئيًا فحسب، بل حلًّا لمعضلة مؤسسية: كيف يتحمل فريق غير محترف مسؤولية موقع كامل دون أن تتعطل الدقة؟ فالتعاشق ينقل الإتقان من مهارة فردية إلى منطق تجميع قابل للتكرار، وهو ما يفسّر انتقال الطلاب من الحدس إلى التنفيذ بسرعة. غير أن المقالة تترك دون إجابة سؤال الحمولة الفعلية للمخاطر: من يضمن سلامة إنشاء نفّذه متعلمون، وأي إطار تعاقدي يحكم هذه المسؤولية؟ كما أن الإشارة إلى الاستدامة تستند إلى مصدر الخشب من غابات مُدارة، بينما لا تقدّم أرقامًا عن الأثر الكربوني، فتظل الادعاءات البيئية استنتاجًا لا واقعة. أما الشق، المحدَّد عبر دراسات شمسية، فيحوّل الضوء إلى نتيجة حساب تُقاس قبل أن تُختبر، وتنقل حرارة الخشب من عنصر مادي إلى وعد إدراكي. ويظل السؤال المفتوح: هل يبقى الجناح، بوصفه هيكلًا مؤقتًا، حاملًا لذاكرة هذا التعلم بعد أن تنتهي الورشة التي أنتجته؟


Further Reading From ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *