الترميم كفعل مقاومة: إنقاذ عمارة كييف في زمن الحرب
وقفت ليسيا دانييلينكو أمام بابها الأمامي الجديد، تتأمله بفخر. نافذة العتب العلوية المنحنية—التي أطلق عليها المتطوعون اسم “الكرواسون”—بدت لها أقرب إلى طاووس بتفاصيلها المتفرعة. في أحد بيوت الفن الجديد (Art Nouveau) بكييف مطلع القرن العشرين، لم يكن ترميم المدخل مجرد تحسين بصري؛ بل إعلان التزام بالمدينة. احتفل السكان بمشروع الترميم بحفلتين على الرصيف، في طقس جماعي يعيد ربط العمارة بالحياة اليومية.

العيش الطبيعي بوصفه موقفًا
تصف دانييلينكو الترميم كفعل مقاومة مدنية: “نحاول أن نعيش حياة طبيعية رغم الحرب… هذا الباب الجديد يعبّر عن تمسّكنا بوطننا”. في مدينة تتعرض لهجمات صاروخية متكررة، يصبح ترتيب تفاصيل البيت—باب، نافذة، درابزين—وسيلة لاستعادة agency في مواجهة الدمار.

المدينة تحت القصف… والذاكرة تحت التهديد
منذ مطلع 2025، تصاعدت الغارات الجوية الروسية على كييف. بعد كل هجوم، تُسَدّ النوافذ المحطّمة بالخشب الرقائقي، ويُحاوَل إنقاذ المباني السكنية قدر الإمكان. وسط هذا المشهد، يعمل ناشطون على حماية قصور متداعية بُنيت بأسلوب الحداثة الأوكرانية—لغة معمارية مرِحة تزخر بالزخارف النباتية وعدم التماثل.
البيت كرمز حضري
يقع منزل دانييلينكو في حي شيفتشينكيفسكي، وقد شُيّد عام 1906 لِتاجر فرو ثري. واجهته مزدانة بأوراق كستناء الحصان وأزهار البابونج. صمّمه المعماري مارتن كلوغ (النمساوي-الألماني)، وتجاوره مبانٍ تحمل سمات مماثلة: أبراج قوطية، شُرَف ملتوية، وتماثيل غريبة—قطتان حزينتان، بومات، أقنعة، وحتى شيطان—في استعارات حضرية لا تخطئها العين.

تهديدات غير الحرب
ليست الحرب وحدها الخطر. يواجه دعاة الحفظ مطورين غير منضبطين، وفسادًا إداريًا، ولامبالاة سياسية. يقول دميترو بيروف من مجموعة Heritage Kyiv إن التركيز المالي يطغى على الإرادة السياسية، فيما أضعفت الحرب المؤسسات وأفرغت المشهد المدني من كثير من المدافعين عن التراث.
الهدم بوصفه سياسة أمر واقع
في حي بوديل النهري، هُدمت واجهات كلاسيكية تعود للقرن الـ19 رغم وعود بالحفاظ عليها. أحيانًا يُبرَّر الهدم بذريعة “أبحاث أثرية”. تاريخيًا، ألحق الاتحاد السوفياتي أضرارًا واسعة بإعادة تشكيل خريشاتيك لاستيعاب العروض العسكرية—طبقات من التدخلات التي غيّرت نسيج المدينة.

الترميم كعلاج جماعي
قُتل المرشد والمدوّن سيرهي ميرونوف عام 2022 أثناء القتال في باخموت؛ وتواصل زميلته نيلي تشودنا العمل. من أصل 3,500 قصر طوبي تاريخي في كييف، لم يبقَ سوى 80 بابًا أصليًا. “لم تكن الصواريخ الروسية وحدها… بل نحن”، تقول. في مقر منظمتها True Kyiv—منزل 1910 بباب أحمر ودرابزينات أصلية—يتحوّل الترميم إلى مساحة شفاء وحفظ ذاكرة.
منظور معماري
بالنسبة للمعماريين، تكشف تجربة كييف أن الترميم ليس تقنية فقط بل ممارسة أخلاقية وسياسية. حماية التفاصيل—الأبواب، النوافذ، الدرابزين—تعني صون الهوية الحضرية في لحظة هشاشة قصوى. إن غياب التدخل اليوم قد يفضي إلى فقدان لا يمكن تعويضه غدًا.
✦ ArchUp Editorial Insight
تتناول هذه الحالة ترميم باب مدخل في منزل يعود لبدايات القرن العشرين في كييف، ضمن تيار Art Nouveau الأوكراني، حيث تتحول التفاصيل الزخرفية—كالمنحنيات النباتية والعناصر غير المتماثلة—إلى أدوات تعبير عن الانتماء والمقاومة. لا يُقرأ الباب هنا كعنصر معماري معزول، بل كجزء من Urban Fabric مهدد، تعكس Material Expression فيه ذاكرة مدينة تتعرض للتآكل بفعل الحرب والإهمال المؤسسي. ومع ذلك، يطرح المشروع أسئلة جوهرية حول Functional Resilience للحفاظ العمراني في ظل غياب الحماية القانونية وضغوط التطوير العقاري، حيث يصبح الترميم فعلاً فردياً يعوض ضعف البنية الرسمية. في المحصلة، تتجسد Architectural Ambition في تحويل العناية بالتفاصيل إلى ممارسة أخلاقية تحفظ هوية المدينة واستمراريتها.







