التمرير اللانهائي والممر اللانهائي: ماذا يتعلّم المعماريون من إدمان الشاشات؟
كيف تكشف دراسات علم النفس الرقمي عن أسرار تصميم الفراغ العام وثقافة الاستوديو المعماري
في مركز تسوق كبير، لا توجد نوافذ تطل على الشارع، ولا ساعات حائط، والإضاءة ثابتة على مدار اليوم. هذا ليس إهمالاً تصميميًا، بل قرار هندسي مدروس يهدف إلى تعطيل إحساس الزائر بمرور الوقت، تمامًا كما تفعل خاصية “التمرير اللانهائي” في تطبيقات الهواتف. المفارقة أن المصممين المعماريين ومهندسي واجهات التطبيقات يتقاسمون، دون أن يلتقيا غالبًا، صندوق أدوات نفسي واحد: كيف تُبقي جسدًا أو انتباهًا داخل فراغ لأطول وقت ممكن؟ هذا التقاطع يصبح أكثر إلحاحًا حين نقرأ الأدبيات الحديثة حول علاقة وسائل التواصل الاجتماعي بالصحة النفسية للمراهقين والشباب، فالنتائج التي توصل إليها الباحثون في هذا الحقل لا تتحدث عن الشاشات فحسب، بل عن مبادئ تصميمية للفراغ — سواء كان رقميًا أو ماديًا — يمكن أن تعيد صياغة الطريقة التي يفكر بها المعماريون في المدرسة، والاستوديو، والمدينة.
من “اللايك” إلى “الكريت”: حين يتحول النقد المعماري إلى منصة تواصل اجتماعي
أظهرت مراجعة شاملة أجراها الباحثان يوي وريتش أن كل ساعة إضافية من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يوميًا ترتبط بزيادة نسبتها 13% في خطر الإصابة بأعراض الاكتئاب لدى المراهقين، استنادًا إلى تحليل تلوي شمل أكثر من خمسة وخمسين ألف مراهق. المحرك الأساسي وراء هذه العلاقة، بحسب الدراسة، هو آلية “المقارنة الاجتماعية الصاعدة” (upward social comparison)، حيث يقارن المستخدم واقعه اليومي بصور منتقاة ومثالية لحياة الآخرين، فينتج عن ذلك شعور بعدم الرضا وتراجع في تقدير الذات.
هذه الآلية ليست غريبة عن أروقة كليات العمارة. جلسة “الكريت” (Crit) — العرض النقدي العلني للمشاريع أمام لجنة تحكيم وزملاء — تعيد إنتاج البنية النفسية نفسها: عرض مُنتَج منتقى بعناية أمام جمهور يحكم عليه علنًا، ومقارنة فورية بمشاريع الزملاء المعروضة على الحائط المجاور. الفرق أن “اللايك” هنا يأخذ شكل تعليق أستاذ أو نظرة تقييمية، لكن الأثر النفسي — القلق من الحكم، والمقارنة الصاعدة، وتقلب تقدير الذات بناءً على تغذية راجعة لحظية — يحمل بنية مشابهة لما توثقه الأبحاث حول التغذية الراجعة الاجتماعية عبر الإنترنت.
هندسة القلق: آليات نفسية تتجاوز الشاشة إلى الفراغ
يحدد الباحثون عدة آليات وسيطة تفسر العلاقة بين الاستخدام المكثف لوسائل التواصل وتراجع الصحة النفسية، وأبرزها “الخوف من تفويت الفرصة” أو ما يُعرف اختصارًا بـ”فومو” (FoMO)، وهو القلق الناتج عن الاعتقاد بأن الآخرين يعيشون تجارب ممتعة لا يشارك فيها الفرد. هذا القلق يرتبط إيجابيًا بأعراض الاكتئاب والقلق والعصابية، ويدفع المستخدم إلى تفقّد هاتفه بشكل قهري.
من الناحية التصميمية، هذه الآلية تُذكّر بمبدأ “التصميم المُقنِع” (Persuasive Design) الذي تتبناه شركات التقنية عبر التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات الدافعة — وهي عناصر مصممة خصيصًا لاستغلال حساسية المراهقين المرتفعة تجاه المكافأة الاجتماعية، في وقت لا تزال فيه أنظمتهم المعرفية الرقابية قيد التطور، بحسب ما توثقه دراسة سكيغز وأوربن. المخططون الحضريون يمارسون شكلاً موازيًا من هذا التصميم حين يهندسون مسارات المشي في المولات التجارية بحيث تجبر الزائر على المرور أمام أكبر عدد من الواجهات، أو حين يُصممون الإضاءة والموسيقى في الأسواق لتحفيز البقاء والشراء الاندفاعي. الفارق الجوهري هو أن المعماري يعمل في فراغ مادي بطيء التغيّر، بينما مصمم التطبيق يختبر تعديلاته على ملايين المستخدمين يوميًا — وهي فجوة تستدعي من المعماريين نوعًا من اليقظة الأخلاقية المسبقة بدل التصحيح اللاحق.
عنصر آخر يستحق التوقف عنده هو اضطراب النوم الناتج عن استخدام الشاشات ليلاً، سواء بسبب الضوء الأزرق أو الإثارة المعرفية الناتجة عن المحتوى الجذاب. هذا يعيد التذكير بأهمية معالجة معمارية قديمة تكاد تُنسى: تصميم غرف النوم والفراغات السكنية بحيث تفصل بوضوح بين مناطق “اليقظة الرقمية” ومناطق الراحة، وهي مسألة تخطيط داخلي أكثر من كونها مجرد نصيحة سلوكية.
الاستخدام الفعّال مقابل السلبي: درس في تصميم الفراغ العام النشط
من أهم النتائج التي تكشفها الأدبيات هو التمييز بين “الاستخدام السلبي” لوسائل التواصل — أي التصفح والتمرير دون تفاعل — و”الاستخدام الفعّال” الذي يشمل المراسلة المباشرة والتعليق والمشاركة الحقيقية. الأول يرتبط بشكل أكثر ثباتًا بنتائج نفسية سلبية، بينما الثاني قد يكون محايدًا أو حتى مفيدًا، خصوصًا حين يعزز علاقات قائمة بالفعل.
هذا التمييز يحمل درسًا مباشرًا لمصممي الفراغ العام والمدن. الفراغ الحضري “السلبي” — الساحة الواسعة الفارغة التي يعبرها المارة دون توقف، أو الرصيف العريض الخالي من أي محفز للتفاعل — يشبه التصفح السلبي في أثره: حضور جسدي دون مشاركة فعلية. في المقابل، الفراغات التي صممت لتحفيز “الاستخدام الفعّال” — مقاعد متقاربة تشجع الحوار، أسواق شعبية تفرض تبادلًا مباشرًا، حدائق مجتمعية تتطلب مشاركة فعلية في الزراعة أو الصيانة — تنتج ما يمكن تسميته “رأس مال اجتماعي” حقيقي، بنفس المنطق الذي يجعل الرسائل المباشرة بين الأصدقاء عبر الإنترنت أقل ضررًا من التصفح الأعمى لمنشورات الغرباء.
لا مقاس واحد يناسب الجميع: نقد الحلول التصميمية الجاهزة
من أكثر النتائج إثارة للاهتمام في الأبحاث الحديثة هو اكتشاف أن أثر وسائل التواصل على الرفاه النفسي يتفاوت جذريًا من شخص لآخر. في إحدى الدراسات القائمة على أخذ العينات اللحظية للتجربة، لم يلاحظ 44% من المراهقين أي تغيّر في حالتهم النفسية بعد استخدام وسائل التواصل، بينما شعر 46% بتحسن، وشعر 10% فقط بتدهور. هذا التباين يقوّض فكرة أن “وقت الشاشة” وحده هو المتغير الحاسم، ويستدعي مقاربات فردية بدل التعميمات الجماعية.
هذا الدرس منهجي بامتياز لممارسة العمارة والتخطيط الحضري، حيث لا تزال معايير التصميم غالبًا تُبنى على “المستخدم المتوسط” الافتراضي. الفتيات، بحسب الدراسات، يستخدمن وسائل التواصل بشكل أكثر كثافة لأغراض علائقية ويُظهرن ارتباطًا أقوى بين هذا الاستخدام وأعراض الاكتئاب، كما أن المراهقين الأصغر سنًا (بين 10 و15 عامًا) يبدون أكثر عرضة للتأثر من نظرائهم الأكبر سنًا. كذلك، تبيّن دراسة فاسي وزملاؤها أن المراهقين الذين يعانون من حالات نفسية داخلية كالقلق والاكتئاب يظهرون مقارنة اجتماعية أعلى وسيطرة أقل على وقت الاستخدام، بينما يقضي المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وقتًا أطول على المنصات مع حساسية مرتفعة تجاه التغذية الراجعة. إسقاط هذا التنوع على العمارة يعني أن المدرسة الواحدة، أو الحي السكني الواحد، لا يمكن أن يُصمّم وفق نموذج مستخدم واحد؛ فالفراغ الذي يريح مراهقًا انطوائيًا قد يزيد عزلة مراهق آخر يحتاج تحفيزًا اجتماعيًا أكبر.
الفراغ الثالث كترياق: لماذا يحتاج المخططون لإعادة اكتشاف الشارع؟
رغم كل هذه المخاطر، تشير الأبحاث إلى أن العلاقة بين وسائل التواصل والتفاعل وجهًا لوجه ليست بالضرورة علاقة إحلال. فرضية “الإزاحة الاجتماعية” — القائلة بأن وسائل التواصل تحل محل التفاعل المباشر — لم تجد دعمًا سببيًا قويًا في الأدبيات، بل تشير التحليلات الفردية إلى أن الاستخدام الرقمي غالبًا ما يملأ فراغًا ناتجًا عن غياب فرص التفاعل المباشر أصلاً، أكثر من كونه يزيح تفاعلاً كان سيحدث لولا وجود الهاتف. بعبارة أخرى، حين يغيب “الفراغ الثالث” — ذلك المكان بين المنزل والعمل أو المدرسة الذي يتيح التقاء عفويًا كالمقهى أو الساحة العامة أو الرصيف الحيوي — يصبح الفراغ الرقمي بديلاً افتراضيًا، وليس منافسًا له.
هذا يضع مسؤولية مباشرة على عاتق المخططين الحضريين: إذا كانت المدن المعاصرة قد قلّصت من فراغاتها الثالثة عبر تصميم أحياء سكنية معزولة تعتمد كليًا على السيارة، وشوارع تجارية استبدلت بمراكز تسوق مغلقة، فإن جزءًا من “الإدمان الرقمي” قد لا يكون سببه التطبيقات وحدها، بل غياب البديل المكاني الحي. تقرير مجلة “ذا لانسيت” يحذر من خطورة اختزال أزمة الصحة النفسية للشباب في وسائل التواصل وحدها، مشيرًا إلى أن عوامل بيئية أخرى — كتفاقم التفاوت الاقتصادي، وتضييق سوق العمل، والقلق المناخي — أسهمت بالتوازي، وهو ما يعني أن الحل المعماري وحده لن يكون كافيًا، لكنه يبقى جزءًا ضروريًا من المعادلة.
نحو ميثاق تصميم إنساني: من “تقليل وقت الشاشة” إلى “تحسين نوعية الفراغ”
الاتجاه الأحدث في تصميم التدخلات النفسية يتجاوز فكرة “تقليل وقت الاستخدام” نحو “تحسين نوعية الاستخدام”، استنادًا إلى نظرية تقرير المصير الذاتي التي تركز على تلبية الحاجات النفسية الأساسية: الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء. بدلاً من فرض قيود صارمة على وقت الشاشة، يقترح الباحثون سكيغز وأوربن إزالة السمات “الإدمانية” من التصميم، وتعزيز التعبير الأصيل عن الذات، وبناء مجتمعات رقمية إيجابية.
هذا التحول المفاهيمي يوازي بدقة نقاشًا قديمًا في العمارة حول الفرق بين “التقييد” و”التمكين” في التصميم الحضري: بدل إغلاق الساحات العامة أو تقييد استخدامها خوفًا من سوء الاستغلال (وهو ما يوازي تقليل وقت الشاشة)، يقترح كثير من المخططين المعاصرين تصميم فراغات “مُمكِّنة” تمنح المستخدمين استقلالية في كيفية استخدامها، وتتيح تنوعًا في الأنشطة، وتبني إحساسًا حقيقيًا بالانتماء المجتمعي. الدراسة التي أجراها فريق شوميكر برينو حول بروتوكول “النظافة الرقمية” عبر العلاج عن بعد أظهرت نتائج قوية في تقليل شدة الاستخدام الإشكالي للإنترنت وأعراض الاكتئاب والقلق لدى المراهقين، لكن الأثر الأعمق يكمن في أن التدخل لم يكن مجرد منع، بل إعادة هيكلة للعلاقة مع الفراغ الرقمي — وهو بالضبط ما يحتاجه المخططون عند إعادة تصميم الأحياء التي أهملت تاريخيًا حاجات الفئات الأصغر سنًا والأكثر هشاشة.
من الناحية العملية، يوصي الباحثون الأطباء والمختصين بالسؤال الروتيني عن استخدام وسائل التواصل، والتحري عن التنمر الإلكتروني، وتقييم الفوائد والأضرار على مستوى كل فرد على حدة، إلى جانب دعم برامج مدرسية وقواعد أسرية تدعم الاستقلالية بدل التقييد المطلق. هذه المبادئ، حين تُترجم إلى لغة التخطيط الحضري، تعني أن تصميم المدارس والأحياء يجب أن يوازن بين الحماية والانفتاح، وأن يمنح الفئات الأكثر هشاشة أدوات للتحكم في بيئتهم بدل عزلها عنهم بالكامل.
✦ ArchUp Editorial Insight
ما يبدو هنا نقاشًا عن الشاشات هو، في جوهره، تحقيق في أنماط الحوكمة عبر الانتباه. تعمل منصات التواصل الاجتماعي، والفراغات التجارية الداخلية، وثقافة الاستوديو، والتمدّد الحضري المعتمد على السيارة، جميعها داخل منظومة ضغط واحدة: لقد أصبح إطالة زمن التفاعل أصلًا قابلًا للقياس، سواء جرى تحويله إلى عائد إعلاني، أو تعرّض تجاري، أو مكانة مؤسسية، أو بيانات سلوكية. ثم تنتقل هذه الضغوط عبر أطر اتخاذ القرار — من مؤشرات المنصات، ونماذج التأجير التجاري، وطقوس التحكيم الأكاديمي، وأنماط تقسيم المدن، والتخطيط الحذر المفرط — قبل أن تترسخ في ممرات بلا مؤشرات زمنية، ولجان نقد قائمة على المقارنة العلنية، وأحياء تفتقر إلى «المكان الثالث» القادر على استيعاب الحياة الاجتماعية خارج الفضاء الرقمي. هنا لا تكون العمارة سبب القلق أو الاستخدام القهري، بل الأثر المكاني لمؤسسات جرى تحسينها لتعظيم البقاء لا الرفاه. وأي استجابة تصميمية جادة تقتضي تغيير الحوافز، لا مجرد إعادة ترتيب الشكل.
المراجع
يوي، زد؛ ريتش، إم. “وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية للمراهقين”. مجلة تقارير طب الأطفال الحالية، 2023.
سالا، إيه؛ بوركارو، إل؛ غوميز، إي. “استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية ورفاهية المراهقين: مراجعة شاملة”. مجلة تقارير الحاسوب في السلوك البشري، 2024.
هارنس، جيه؛ دوموف، إس إي؛ رولينغز، إتش. “استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية للشباب: توجهات مستقبلية قائمة على التدخل”. مجلة تقارير الطب النفسي الحالية، 2023.
باري، دي إيه؛ فيشر، جيه تي؛ ميتشكوفسكي، إتش؛ سيوال، سي جيه آر؛ ديفيدسون، بي آي. “وسائل التواصل الاجتماعي والرفاهية: منظور منهجي”. مجلة الآراء الحالية في علم النفس، 2022.
هول، جيه إيه؛ ليو، دي. “استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإزاحة الاجتماعية والرفاهية”. مجلة الآراء الحالية في علم النفس، 2022.
شوميكر برينو، كيه إيه؛ ديرووين، إيه إل؛ سيلفا، إس جي. “الاستخدام الإشكالي للإنترنت لدى المراهقين وتطبيق بروتوكول النظافة الرقمية لوسائل التواصل الاجتماعي”. مجلة تمريض الأطفال، 2022.
راجاموهان، إس؛ بينيت، إي؛ تيدوني، دي. “مخاطر وفوائد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدى المراهقين”. مجلة التمريض، 2019.
مجلة ذا لانسيت. “مؤثرون غير صحيين؟ وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية للشباب”. مجلة ذا لانسيت، 2024.
فاسي، إل، وآخرون. “الفروق في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين المصابين وغير المصابين بحالات نفسية”. مجلة الطبيعة للسلوك البشري، 2025.
سكيغز، إيه؛ أوربن، إيه. “تدخلات وسائل التواصل الاجتماعي لتحسين الرفاهية”. مجلة الطبيعة للسلوك البشري، 2025.







