العمارة البدوية في مواجهة القوة الجيولوجية: حوار الـ “جر” المنغولي مع براكين أولانهاد
في ظلّ المد المتصاعد للعولمة، تواجه التعبيرات المعمارية المحلية، وخاصة عمارة السهوب والثقافة البدوية، تحدياً وجودياً يتمثل في خطر الذوبان والتماثل. يأتي هذا المشروع كمحاولة معمقة وجريئة ليس فقط للحفاظ على هذه الهوية، ولكن لإحيائها من خلال حوار معاصر. في قلب هذا الحوار يقف الـ “جر” المنغولي – ذلك المسكن التقليدي الذي لا يعد مجرد مأوى، بل هو حامل فضائي كامل لفلسفة حياة شعب بدوي، متجلياً في مخططه الدائري المتوحد المركز، وبنائه المُسبق الصنع القابل للنقل والتكيف، وحكمته العميقة في العيش بتكافل تام مع الطبيعة دون الإخلال بتوازنها.
حوار الأضداد: بين ثبات البركان ومرونة الجر
يقع المشروع على مقربة من تجمع أولانهاد البركاني في منغوليا الداخلية، ليؤسس لحوار درامي بين قطبين: المشهد الجيولوجي الضخم، الأزلي، والثابت الذي يمثله البركان، والمساحة البشرية المرنة، المؤقتة، والمتحركة التي يجسدها الـ “جر”. البركان هنا هو تجسيد لقوى الأرض الأولية والبدائية، قوة خام لا تعترف إلا بمنطقها الجيولوجي. في المقابل، يمثل الـ “جر” ذروة الاستجابة البشرية الذكية والتكيفية لتلك الطبيعة، فهو ليس مقاومًا للطبيعة بل متكيف مع إيقاعها. من هذا التصادم بين الثبات والحركة، بين القوة الخام والذكاء التكيفي، تولد حكايات مكانية استثنائية تروي قصة الإنسان والأرض.

الاستجابة للموقع: تحويل التشابه الطوبولوجي إلى لغة معمارية
: من التشكيل الطبيعي إلى التشكيل العمراني
تكمن البراعة التصميمية الأولى في اكتشاف تشابه طوبولوجي خفي بين التشكيل الهندسي لمخاريط براكين أولانهاد والمنحنيات المقطعية للـ “جر”. هذا التشابه ليس شكلانياً بحتاً، بل هو علاقة في الخصائص الهندسية الأساسية. قام التصميم بعملية تجريد هندسي دقيقة لهذه الأشكال، متبعاً باستراتيجية إعادة تركيب ودمج بين شكل البركان المخروطي وشكل الجر القببي.
نتيجة هذه العملية، لا يتحول التصميم إلى مجرد انعكاس مصغر أو محاكاة سلبية للمشهد الجيولوجي المحيط، بل يصبح وسيطاً نشطاً يعيد من خلاله اختراع التعبير المكاني التقليدي للجر نفسه. هذه الاستراتيجية تؤسس لمراسلات شعرية في الحجم والشكل، محققة تحولاً طوبولوجياً متقدماً من الأشكال الأرضية الطبيعية إلى لغة معمارية ملموسة وقابلة للتجربة، مما يعمق إحساس الزائر بالانتماء إلى المكان على مستوييه: الصغير (البشري) والكبير (الجيولوجي).
الترجمة الثقافية: استخلاص الحمض النووي البيئي للجر
من الحكمة التقليدية إلى الأداء المعاصر
يتجاوز التصميم النظرة السطحية للشكل ليعمق في جوهر ما يجعل الـ “جر” نموذجاً للاستدامة والتكيف. فهو يحفر في علم البيئة الخاص بالمسكن البدوي، مقتفياً أثر مميزات التوافق البيئي المتطورة عبر القرون. يحلل التصميم بتركيز أنظمة التنظيم المناخي السلبي الذكية التي تمكن الجر من تحمل أقسى الظروف المناخية، من صيف حار شتاء قارس.
ثم تأتي مرحلة الترجمة المعاصرة: حيث يتم تحويل هذه الأنظمة إلى عناصر ومفردات مكانية جديدة. فمن خلال فتحات علوية (تشبه “الهونو” في الجر التقليدي) وأخرى سفلية، يتم تحديد مواقعها بدقة استراتيجية لتوجيه تيارات الهواء الدقيقة بشكل سلبي، مما يحافظ على راحة حرارية داخل المساحة ويقلل الاعتماد على الطاقة. هذه العملية تضمن الحفاظ على “الحمض النووي” الثقافي والبيئي للبداوة، مع تلبية متطلبات الراحة والأداء الوظيفي في العصر الحديث، دون الوقوع في فخ التزييف أو إحياء الشكل بلا مضمون.


تصميم التجربة: نسج السرد الزمني في نسيج المكان
تحويل السكون إلى كائن حي متنفس
الفضاء في هذا المشروع ليس كتلة ساكنة تُشاهد، بل هو ظاهرة حسية تُعاش وتتغير. الهدف هو تحويل المساحة الثابتة إلى كائن حي “يتنفس” ويمتلك بعداً زمنياً حيوياً. لتحقيق ذلك، يستخدم التصميم تكوينات مكانية هندسية تعتمد على ألواح من الأكريليك، بعضها ملون والآخر معتم، يتم ترتيبها بطريقة متناوبة.
هذا التركيب المحسوب يعمل كوسيط بين السماء والداخل، حيث يخلق إسقاطات ضوئية ولونية متطورة باستمرار. هذه الإسقاطات ليست ثابتة؛ إنها تستجيب وتتغير مع حركة الشمس الظاهرية خلال النهار، ومع سرعة واتجاه حركة السحب في السماء. هكذا، ينسج التصميم سرداً بصرياً ديناميكياً يمنح الزائر تجربة حسية فريدة، حيث لا تتكرر اللحظة الضوئية نفسها أبداً، مما يعيد تعريف الإحساس بالمكان من كيان ثابت إلى حدث متجدد باستمرار.


الخاتمة: نحو نموذج جديد للمستوطنات البشرية في السهوب
يقدم هذا المشروع، من خلال استكشافه القائم على نموذج معماري أولي، أكثر من مجرد حل تصميمي؛ إنه يقدم منهجية للترجمة الإبداعية. لقد نجح في تحويل الثقافة البدوية التقليدية من تراث يُحفظ في الذاكرة إلى لغة معمارية معاصرة قادرة على الحوار مع تحديات العصر. من خلال المزج العميق بين تحليل الموقع الدقيق، واستراتيجيات الترجمة الثقافية الواعية، وتصميم التجربة الحسية الغنية، يثبت المشروع إمكانية تحقيق تكامل عضوي حقيقي بين التراث والطبيعة والحداثة. وهو ما يفتح آفاقاً جديدة ويمنح منظورات مبتكرة لتطوير التجمعات السكنية البشرية في مناطق السهوب والبيئات المماثلة، حيث يكون الهوية والاستدامة هما محور التصميم.

✦ رؤية تحريرية من ArchUp
يتناول المشروع إحياء الهوية المعمارية البدوية عبر خلق حوار بين كتلة البركان الثابتة ومرونة مسكن “الجر”. يعتمد الحوار المكاني على تجريد طوبولوجي للعلاقة الشكلية بين البركان والجر، مما يثير تساؤلاً حول ما إذا كان هذا التقارب الهندسي المجرد قادراً على نقل التعقيد الوظيفي والثقافي الكامن في النظام الإنشائي والبيئي للمسكن البدوي، حيث قد تؤدي الأولوية للاستعارة الطوبولوجية إلى تبسيط المبادئ الهيكلية الأصلية. تظهر الترجمة المعاصرة لنظام التهوية في محاولة للحفاظ على الكفاءة المناخية، لكن فصل هذه الآلية عن السياق الهيكلي المتكامل للجر الأصلي يحمل احتمال تحويلها إلى عنصر جمالي ذي فعالية محدودة. تكمن القيمة التجريبية في قدرة المشروع على إضفاء بعد زمني ديناميكي على الفضاء من خلال تفاعله مع الضوء الطبيعي المتغير، مما يعيد تشكيل إدراك المكان بشكل مستمر.
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.