حين يرفض المجتمع الذوبان
الثقافات الفرعية والفراغ المبني: من حارات شيكاغو إلى الاستوديو المعماري
ثمة مفارقة تسكن قلب كل مدينة حديثة: كلما اتسعت مساحات التوحيد —شبكات الطرق، والواجهات الزجاجية الموحدة، والأحياء المعلبة— كلما أصرّ الناس على اختلافهم. يجتمعون في زوايا خفية، يرسمون على جدران مهجورة، يحتلون ساحات عامة لم يصممها أحد لهم، ويحوّلون أماكن عادية إلى مراكز ثقيلة بالهوية والمعنى. هذا الإصرار على التمايز هو ما تدرسه “دراسات الثقافة الفرعية”، وهو ما يجعلها —رغم أصولها الاجتماعية— ذات صلة عميقة وحتمية بكل من يصمم الفراغ أو يخطط للمدن أو يفهم كيف يعيش الناس فعلاً داخل ما يُبنى لهم.
عندما رسم علماء الاجتماع خرائط لما يرسمه المعماريون لاحقاً
قبل أن تُفكّر دراسات الثقافة الفرعية في نفسها كحقل معرفي مستقل، كانت تمارس عملها في الشوارع. في شيكاغو عشرينيات القرن الماضي، حمل علماء الاجتماع دفاترهم ونزلوا إلى الأحياء الفقيرة والمهمّشة، لا ليصفوا الانحراف الاجتماعي من علٍ، بل ليفهموا كيف تخلق الجماعات المحرومة منطقها الخاص وقيمها الخاصة وفضاءاتها الخاصة. وقد أشارت الأبحاث التاريخية في هذا الحقل إلى أن عالم الأنثروبولوجيا إدوارد سابير كتب عام 1932 أن “كل فرد هو في حقيقته ممثل لثقافة فرعية واحدة على الأقل”، وأن دليل عالمة الاجتماع فيفيان بالمر عام 1928 كان يطلب من طلابها رسم “خرائط للمجموعات الثقافية الفرعية” — وهو ما يكاد يكون وصفاً لما يفعله خبراء التخطيط الحضري اليوم حين يمارسون تحليل الفراغ الاجتماعي.
ما استقرّ عليه مدرسة شيكاغو كان جوهرياً: الانحراف ليس مرضاً فردياً، بل استجابة اجتماعية عقلانية لظروف بنيوية. حين يُحرم الشباب من وسائل التقدم الشرعية، يبتكرون وسائلهم الخاصة. وهذه الوسائل تجد تعبيرها دائماً في الفراغ؛ في الزاوية التي يسيطر عليها الوافدون الجدد، وفي الحانة التي تصبح برلماناً غير رسمي، وفي ملعب الحي الذي يُعاد تعريفه كل يوم من جديد.
لكن التحولة النظرية الكبرى جاءت من بريطانيا في السبعينيات، حين قرأ مركز الدراسات الثقافية المعاصرة في جامعة بيرمنغهام ما كانت شيكاغو تقوله، وأضاف إليه بعداً كانت غائباً: الطبقة الاجتماعية. في كتابهم الجماعي “المقاومة عبر الطقوس” عام 1976، فسّر باحثو بيرمنغهام ظواهر كأزياء “التيدي بويز” والمودز والسكنهيدز باعتبارها حلولاً رمزية جماعية لتناقضات مادية حقيقية يعانيها أبناء الطبقة العاملة. هذه الجماعات لم تكن تلعب لعبة أزياء، بل كانت تُعلن — عبر الملبس والموسيقى والتجمع في أماكن محددة — أنها موجودة وأنها تقاوم. وقد كشفت الباحثة آنجيلا ماكروبي وزميلتها أن النظرية ذاتها كانت عمياء عن النساء، اللواتي عشن ثقافاتهن الفرعية داخل الفضاء الخاص — الغرفة، البيت — لا في الشوارع التي هيمن عليها الرجال.
الذوبان الذي لم يكتمل: ما الذي تقوله ما بعد الحداثة للمدينة؟
في التسعينيات، بدا أن المشهد تغيّر تغيّراً جذرياً. الشباب لم يعودوا يلتزمون بهوية واحدة، ولا بزاوية واحدة في المدينة. يرتدي الشاب أحذية رياضية ويستمع إلى الجاز ويجلس في مقهى بوهيمي وينضم لاحقاً إلى حفل تكنو — وكل هذا في يوم واحد. أعلن ستيف ريدهيد عن “ما بعد الثقافة الفرعية” عام 1990، وطوّر ديفيد موغلتون هذا المفهوم في كتابه “داخل الثقافة الفرعية” عام 2000، واصفاً جيلاً يمزج ويختار بحرية لا حدود لها.
وقد أنتج هذا “التحوّل ما بعد الثقافي الفرعي” — كما يُسمّيه الباحثون — مفاهيم جديدة بدت لفترة وكأنها ستُعيد كتابة كل شيء. مفهوم ميشيل مافيزولي عن “القبائل الجديدة”، أي تجمعات سائلة قائمة على الجمال والشعور لا على البنية الطبقية، وجد صدىً واسعاً لدى مصممي الفراغ الذين بدأوا يتساءلون: هل الإنسان المعاصر ينتمي لمكان؟ أم أنه يطوف بين أماكن؟ وهل المقهى أصبح أكثر تعريفاً للهوية من الحي السكني؟
غير أن الناقدين لم يتأخروا. وقد حدّد الباحثون بلاكمان وشيلدريك وماكدونالد الخطأ الجوهري في هذه النظرية: أنها افترضت أن الجميع يملك القدرة الاقتصادية ذاتها على “الاختيار”. وكأن الثقافة الفرعية تحوّلت إلى نشاط استهلاكي فاخر لمن يستطيع، متجاهلةً أن الطبقة والفقر والتهميش لا تزال تحدّد —إلى حدٍّ بعيد— أين يمكن للمرء أن يكون، وكيف يعبّر عن نفسه، وفي أي فراغ يُسمح له بالوجود.
الدليل الميداني: حين تقاوم الجماعات نظريات التبخر
التاريخ النظري وحده لا يكفي. ما أعاد الاعتبار لمفهوم الثقافة الفرعية في القرن الواحد والعشرين كانت الأبحاث الميدانية المتراكمة التي رفضت فيها مجموعات حقيقية أن “تذوب” وفق ما تنبأ به المنظرون.
أجرى الباحث بول هودكنسون دراسة إثنوغرافية معمّقة لمجتمع “الغوث” — ذلك المجتمع الذي يجمع أسلوب اللباس الداكن والموسيقى الحزينة والجمالية الرمزية — ووجد ما أسماه “الجوهر الثقافي الفرعي”، أي أربعة معايير تجعل من مجموعة ما ثقافة فرعية حقيقية لا مجرد موضة عابرة: التميّز الراسخ، والهوية المشتركة، والالتزام، والاستقلالية النسبية عن السوق السائد. هذه المعايير الأربعة تحوّلت لاحقاً إلى أداة تحليلية يستخدمها الباحثون على نطاق واسع، وهي —في جوهرها— معايير يمكن أن يطبّقها المعماري حين يسأل: هل هذه الجماعة تستحق فراغاً مخصصاً لها؟ هل ستبقى أم ستتبخر؟
وعلى نطاق أكبر، تتبّع الباحثان غرينر وهولاندز مجتمع “السايترانس” الإلكترونية — موسيقى تنبع من الهند وتنتشر عالمياً — عبر استطلاع شمل 569 مشاركاً من أكثر من 40 دولة. كانت النتيجة لافتة: 80% عرّفوا أنفسهم كجزء من مجتمع السايترانس، و85% ظلوا منتسبين له أربع سنوات أو أكثر، وكثيرون استخدموا مصطلحات “العائلة” و”القبيلة” لوصف علاقتهم بهذا المجتمع. مجتمع افتراضي وعالمي بامتياز، لكنه متماسك وذو قيم راسخة وهوية واضحة — وهذا يفجّر الافتراض القائل بأن العالمية تعني حتماً الضحالة وانعدام الجذور.
أما الباحث ديريك روبرتس، فقد استكشف مجتمع أصحاب التعديلات الجسدية الشديدة — الوشوم الكثيفة والثقوب غير التقليدية — ليجد جماعة تتشكّل إلى حدٍّ بعيد من أبناء ما يُسمّى “البروليتاريا غير المستقرة”، أي من يعيشون في هشاشة اقتصادية. هؤلاء طوّروا فرصاً بديلة للعمل — التوشيم والثقب — تُتيح لهم الاستمرار في انتمائهم الثقافي لما يتجاوز سن الشباب. وهذا يطعن في أحد أهم مسلّمات ما بعد الثقافة الفرعية: أن الطبقة لم تعد عاملاً حاسماً في تشكيل هذه الجماعات.
الرقمنة والعولمة: فراغ بلا جدران
لو أن مدينة شيكاغو عشرينيات القرن الماضي كانت تُعرَّف من خلال أحيائها المادية، فإن مدينة القرن الواحد والعشرين تمتد إلى ما لا يُرى. الإنترنت لم يُضعف الثقافات الفرعية، بل وفّر لها البنية التحتية التي تحتاجها لتتجاوز حدود الجغرافيا. أعضاء مجتمع السايترانس يتشاركون الموسيقى ويُنظّمون الفعاليات ويتزاورون يومياً عبر المنصات الرقمية، وأصحاب التعديلات الجسدية يبنون مجتمعاتهم عبر مواقع متخصصة تعوّض غياب التجمع المادي في المدن التي لا تتيح لهم الظهور. وكما يُشير الباحثون في هذا الحقل، فإن الشبكة الرقمية لا تُجزّئ الهوية الجماعية، بل تزيد من تعمّقها ومرونتها.
بيد أن العولمة تحمل تعقيداتها الخاصة. الثقافات الفرعية العالمية — الهيب هوب والسايترانس وغيرها — لا تُستقبل بشكل متماثل في كل مكان. فبينما قد يُجسّد الهيب هوب في مكان ما مقاومةً طبقية صريحة، قد يكون في مكان آخر مجرد سلعة ثقافية. وتكشف الدراسات المُجراة على الشباب الروسي عن ظاهرة “الاستقبال الموازي”، إذ يمزج الشباب بين الموارد الثقافية العالمية والمحلية، لكن هذا المزج يبقى مُقيَّداً بالدخل والتعليم والجغرافيا — عوامل تُذكّرنا دائماً بأن الوصول إلى الثقافة ليس ديمقراطياً تماماً.
وقد أضاف هذا الواقع بُعداً ثالثاً لم يكن في الحسبان: الثقافة الفرعية لم تعد حكراً على الشباب. يدرس الباحثون اليوم كيف يتفاوض أفراد أصحاب الـ40 والـ50 عاماً مع انتماءاتهم الثقافية في ضوء متطلبات العائلة والعمل والمسار المهني. يُسمّي هودكنسون هذا الاتجاه “دراسة ثقافات الشباب وبقية الحياة”، وهو يُشير إلى أن الثقافة الفرعية ليست مرحلة تمرّ بها، بل قد تكون الإطار الذي يُرتّب من خلاله الفرد كامل سيرته الذاتية.
سؤال المعماري: من يصمم لمن؟
ما الذي يعنيه كل هذا لمن يصمم المدن والمباني والفراغات العامة؟ يعني ببساطة أن الإنسان الذي تصمم من أجله ليس كائناً متجانساً. إنه ينتمي —بصمت أو بصوت— إلى جماعات لها قيمها ورمزيّتها ومنطقها الخاص في استخدام الفراغ. وحين يتجاهل المصمم هذا، فإنه لا يُقصي المجموعات الهامشية فحسب، بل يُنتج فراغات مقطوعة الصلة بالحياة الفعلية.
يُقدّم الباحث جيفري ديبيز-كارل نقداً حاداً لدراسات الثقافة الفرعية يمكن تطبيقه بالقدر ذاته على التصميم الحضري: لوقت طويل، افترض الدارسون أن هذه الجماعات غير عقلانية وغير قادرة على تحقيق أهداف حقيقية. لكن الواقع يثبت عكس ذلك؛ ثقافات “السترايت إيدج” — الشباب الرافضون للكحول والمخدرات — ونشاط حفلات الريف ضد الإخلاء القسري أسفرا عن حركات اجتماعية منظّمة ذات تأثير قانوني وسياسي ملموس. المعماري الذي يقرأ هذه الجماعات كـ”ظاهرة أسلوب” سطحية يفوّت فرصة التصميم معها بدلاً من التصميم لها.
والاستوديو المعماري ذاته ليس بمنأى عن هذا التساؤل. إن ما تُسمّيه دراسات الثقافة الفرعية “بروليتاريا غير مستقرة” يصف حالة تُشبه كثيراً حالة الكثير من المعماريين الشباب العاملين في استوديوهات بأجور منخفضة، وحياة احترافية متقلبة، وعلاقة التزام غير مُعلنة بـ”المهنة” باعتبارها هوية تتجاوز مجرد العمل. كيف يُصمَّم فراغ الاستوديو؟ من الذي يملك حق التعبير في لجان التحكيم؟ هذه أسئلة ذات جذور عميقة في التفاوت البنيوي الذي تدرسه الثقافات الفرعية.
التوليف: ما وراء النقاش الأكاديمي الثنائي
يُجمع الباحثون اليوم على أن النقاش الثنائي بين مدرسة بيرمنغهام وما بعد الثقافة الفرعية قد بلغ طريقاً مسدوداً. يقترح هودكنسون أن الطرفين يشتركان في الأساس: أهمية الهوية الجماعية، وضرورة ربط الثقافة بالشروط المادية والبنيوية، والحاجة إلى دراسة المجموعات المبهرجة والعادية على حدٍّ سواء. ويدعو بينيت إلى بحوث متعددة المناهج وأوسع نطاقاً تختبر فعلياً ادعاءات السيولة والتعددية والانتماء المتشابك مع الطبقة والجندر والعرق.
بل إن موغلتون نفسه — أحد مؤسسي ما بعد الثقافة الفرعية — يعود ليُقرّ بأن “تقارير وفاة الثقافة الفرعية مبالغ فيها إلى حدٍّ بعيد”، وأن مستقبل المفهوم يكمن في الجمع بين سمات التماسك والالتزام التي أكّدتها بيرمنغهام، وسمات التحوّل والهجانة التي كشفت عنها ما بعد الحداثة.
ومن هذا التوليف يخرج درس تصميمي: الفراغ الجيد لا يصمم لنوع واحد من المستخدم، ولا يفترض أن مجموعاته البشرية ثابتة أو سائلة بالكامل. الفراغ الحيّ هو الذي يحتمل التناقض، ويترك هامشاً للتفاوض، ويعرف أن من يجلسون فيه اليوم يحملون تواريخ اجتماعية أثقل مما تظهره الواجهة.
المراجع
بلاكمان، شين. “نظرية الثقافة الفرعية: تقييم تاريخي ومعاصر للمفهوم لفهم الانحراف”. مجلة السلوك المنحرف، 2014.
بينيت، آندي. “التحوّل ما بعد الثقافي الفرعي: تأملات بعد عشر سنوات”. مجلة دراسات الشباب، 2011.
هودكنسون، بول. “ثقافات الشباب وبقية الحياة: الثقافات الفرعية وما بعدها وما هو أبعد من ذلك”. مجلة دراسات الشباب، 2015.
موغلتون، ديفيد. “من انعدام الطبقة إلى ثقافة النوادي”. مجلة يونج، 2005.
ديبيز-كارل، جيفري. “هل الأطفال بخير؟ نقد وأجندة لأخذ ثقافات الشباب بجدية”. مجلة المعلومات الاجتماعية، 2013.
غرينر، تريشا وهولاندز، روبرت. “ما وراء الثقافة الفرعية وما بعدها؟ حالة السايترانس الافتراضية”. مجلة دراسات الشباب، 2006.
روبرتس، ديريك. “الناس المُعدَّلون: مؤشرات ثقافة فرعية للتعديل الجسدي في عالم ما بعد الثقافة الفرعية”. مجلة علم الاجتماع، 2014.
بهات، محمد أسلم. “من مدرسة شيكاغو إلى عربة ما بعد الثقافة الفرعية: مراجعة وتحليل الاتجاهات المعاصرة في بحوث ثقافة الشباب”. مجلة العلوم الاجتماعية، 2016.
إيدون، مارتن. “ما الذي يؤول إليه طليعي الفن؟ الموسيقى الجديدة بوصفها ثقافة فرعية”. مجلة سيركيت، 2014.







