من الجدل إلى الجدوى: المهندس السعودي والمصري بين الموروث والتحديث
✧ في زمن تتحول فيه المعايير من “من بنى أكثر” إلى “من بنى أفضل”، يطفو إلى السطح نقاش قديم-جديد بين دور المهندس المصري والمهندس السعودي في نهضة الخليج المعمارية. ترند واسع انتشر على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، فَتَح بوابة إلكترونية على تاريخ طويل من الشراكة، المنافسة، وأحيانًا التحامل.
مشهد من الأعلى: كباري في قلب الأحياء وخرائط بلا ملامح
نشر أحد الحسابات صورة لكوبري في قلب حي سكني بالقاهرة، وتبعها سيلاً من الصور التي قارنت بين مشاريع مصرية وسعودية من حيث مستوى التخطيط والبنية. لكن ما لم يُذكر أن هذا الكوبري، مثله مثل عشرات المشاريع، ليس إلا نتيجة سلسلة قرارات فوقية اتُخذت تحت ضغط التعداد السكاني المتفجر في مصر، والذي تجاوز 106 ملايين نسمة عام 2024، دون بنية تخطيطية تستوعب هذا النمو الهائل.
في المقابل، أظهرت صور للرياض بعد 1980 مدينة تخطو بثبات نحو التنظيم، والاستفادة من تقنيات المسح الحضري والحوكمة المعمارية الحديثة. الفرق لا يكمن فقط في البُنى، بل في البوصلة التي توجه القرارات.
الهندسة كمنتج تعليمي: الكيف قبل الكم
تخرّج من الجامعات المصرية أكثر من 45 ألف مهندس سنويًا بحسب نقابة المهندسين، مقابل أقل من 10 آلاف مهندس سعودي سنويًا في آخر إحصائية لهيئة الإحصاء السعودية. هذا الفارق العددي انعكس على جودة التجربة، فبينما تُخنق الكليات المصرية بعشرات الآلاف من الطلاب سنويًا، تقلصت الكليات السعودية لتصبح مراكز بحث وتطوير تحتضن بعثات خارجية، وتدريبًا متخصصًا في مشاريع عملاقة.
من الإسمنت إلى الابتكار: أين المهندس في معادلة التحول السعودي؟
من مشروع “نيوم” إلى “ذا لاين”، ومن “القدية” إلى “سكاكا”، تقف السعودية اليوم على أعتاب قفزات هندسية غير مسبوقة. تم الإعلان عن أكثر من 1.2 تريليون ريال سعودي من المشاريع الحضرية بين 2021 و2024، بحسب تقرير وزارة الاستثمار، تشارك فيها كبرى المكاتب العالمية، ولكن أيضًا يُشرف على تنفيذها جيل جديد من المهندسين السعوديين العائدين من جامعات مثل MIT وETH Zurich.
وفي حين يتهم البعض هذه القفزات بأنها “مستوردة”، فإن الواقع يقول إن المهندس السعودي أصبح اليوم مدير مشروع، ومصمم رئيسي، ومستشارًا استراتيجيًا. ليس وحده، لكن حضوره أصبح مؤثراً، لا تابعاً.
مساهمة المهندس المصري: تاريخ لا يُلغى لكن يجب تحديثه
لم تنطلق النهضة الخليجية دون المهندس الاجنبي. في ستينات القرن الماضي، شارك المصريون في بناء ومشاريع الإسكان الأولى في الرياض والدمام والدوحة. كانت مصر تصدّر المهندس كما تصدّر القطن: بخبرة، وانضباط، ومهارة. لكن هذه المرحلة كانت مرتبطة بفجوة في الموارد البشرية، سرعان ما بدأت تتقلص مع نمو التعليم في الخليج.
اليوم، لا زال المهندس المصري موجودًا في كثير من المواقع، لكن بنسب مختلفة، وغالبًا في المقاولات أو الوظائف التشغيلية. المهندس المصري ما زال يملك المهارة، لكن البيئة البيروقراطية التعليمية، وتضخم سوق الخريجين في بلده، جعلت من التحول إلى الجودة أمرًا أكثر صعوبة.
عمارة تتحدث بلغة جديدة
الهندسة اليوم ليست مجرد أعمدة وسقوف، بل نمذجة معلومات المباني (BIM)، وتصميم براميتري، واستدامة، وتحليل بياني، وتوأم رقمي (Digital Twin). وكل هذه التخصصات تتطلب بيئة تعليمية مرنة، واستثمارًا ضخمًا، ونظام ترخيص حديث. المهندس السعودي، بدعم حكومي، حصل على كل ذلك خلال العقد الماضي.
أما في مصر، فلا يزال المعهد الفني الهندسي يُدرّس الأوتوكاد وكأنه نهاية المطاف. ليس تقليلًا من القدرات، ولكن توصيفًا للهوة بين الإمكانيات والطموحات.
هل الخلاف بين المهندسين أم بين النظامين؟
الحقيقة أن النقاش لا يجب أن يكون بين “سعودي” و”مصري”، بل بين منظومتين. الأولى اختارت الاستثمار في الإنسان، والثانية أرهقها التعداد والتعقيد الإداري. الأولى تمكّنت من تحويل المهندس إلى مطوّر، والثانية علّقت المهندس بين شكليات النقابة وواقع السوق المتدهور.
خاتمة: من بَنَى حقًا؟
ربما ساهم المهندس المصري في بناء أول مطار في الرياض، لكن المهندس السعودي اليوم يشارك في تخطيط أكبر مطار في العالم في “نيوم”. الفرق ليس في الجنسيات، بل في التحول المؤسسي الذي يجعل من المهندس قيمة فكرية، لا مجرد منفّذ.
في زمنٍ تتجه فيه المدن نحو ما بعد الذكاء الاصطناعي، وتصبح البنية التحتية مرآة للهوية، فإن السؤال ليس: من بنى أكثر؟ بل من بنى الأعمق، والأدق، والأذكى.
✦ رأي ArchUp التحريري
يتناول المقال العلاقة بين المهندس السعودي والمصري من زاوية وجدانية، ويسلط الضوء على مشهد واقعي في مواقع البناء يعكس تداخلًا بشريًا وثقافيًا عميقًا بين الطرفين. يحمل الطرح طابعًا تأمليًا ولطيفًا، ويعزز من صورة التعاون والتقدير المتبادل، لكن يغلب عليه الجانب العاطفي دون تحليل أعمق للهياكل المهنية، التحديات النظامية، أو تفاوت فرص التمكين والتطوير بين المهندسين من مختلف الجنسيات. من المفيد لو تم تضمين إشارات إلى تجارب مؤسسية ناجحة أو تحديات التوطين والتكامل المهني. يبقى المقال مساهمة صادقة وإنسانية.
✦ رأي رئيس التحرير:
“الصراع الظاهر في السوشال ميديا يخفي وراءه حقيقةً معماريّة: العمارة الحديثة لم تعد عنادًا في بناء الجدران، بل ذكاءً في تشكيلها. وبينما يتجادل البعض على الماضي، تصنع السعودية مستقبلًا معمارياً يضاهي الحلم، لأن المهندس فيها لم يعد موظفًا، بل مفكرًا.”
معارض معمارية، مؤتمرات، وفعاليات تصميم عالمية
هل تبحث عن معارض معمارية متميزة أو مؤتمرات معمارية دولية؟ في ArchUp نوثق أهم الأحداث المعمارية والفنية، من معارض التصميم إلى المنتديات الحضرية.
نغطي أيضًا أبرز المسابقات المعمارية ونتائج المسابقات، مع تحديثات مستمرة عبر قسم الأخبار المعمارية.
من خلال ArchUp، ستجد كل الفعاليات المعمارية في منصة واحدة تجمع بين الإلهام والفرص المهنية.