الياقات البيضاء في العمارة والتصميم: هل نشهد صعود طبقة جديدة؟
بقلم رئيس التحرير
في أوائل القرن العشرين، ظهر مصطلح “ذوي الياقات البيضاء” لتمييز العاملين في المكاتب — من كتبة وإداريين ومحترفين — عن العمال الصناعيين “ذوي الياقات الزرقاء” الذين بنوا المدن والسكك الحديدية والآلات بأيديهم. لم يكن هذا التحول اللغوي مجرد مسألة ملابس؛ بل كان إشارة إلى صعود طبقة مجتمعية جديدة. كانت هذه الأدوار المكتبية مرتبطة غالباً بالحياة الحضرية، والتعليم، والطموح في الترقي الاجتماعي. في جوهره، كان هناك تحول هائل، ثقافي واقتصادي، يتكشف.
اليوم، ربما نشهد ولادة تحول مماثل، ولكن هذه المرة في اتجاه عكسي. فأصحاب الياقات البيضاء أنفسهم أصبحوا الآن تحت التهديد.
إعادة التفكير في الطبقة: من مجالس الإدارة إلى الروبوتات
في مجالات مثل العمارة والتصميم — وهي تخصصات وازنت تاريخياً بين الفكر والحرفية — يتم الآن إعادة تعريف نموذج “الياقات البيضاء” بواسطة الآلات. لم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي مثل Midjourney و Stable Diffusion و Autodesk Forma مجرد أدوات جديدة أو “مساعدين”؛ بل أصبحت لاعبين رئيسيين في عملية التفكير المبدئي، والإظهار المعماري، والرسم، وحتى تنسيق المشاريع. المهارات ذاتها التي كانت تتطلب في السابق سنوات من التعليم والتدريب — مثل إتقان برامج CAD، والنمذجة ثلاثية الأبعاد، والتفاصيل الإنشائية — يمكن الآن تنفيذها في دقائق.
تماماً كما أزاحت الموجة الأولى من ذوي الياقات البيضاء العمال اليدويين باستخدام القلم والورق، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم يفعل الشيء نفسه بهدوء لحاملي الأقلام.
خريجو التصميم في عالم آلي
لا يزال النظام التعليمي العالمي ينتج آلاف الخريجين في مجالي العمارة والتصميم كل عام. في دول مثل الهند وبنغلاديش والفلبين، أدت تكاليف التعليم المنخفضة والوصول إلى المناهج الدراسية ذات النمط الغربي إلى خلق طبقة واسعة من فنيي CAD و BIM. يعمل الكثير منهم عن بعد في مشاريع عالمية. إنهم، بطريقة ما، أصحاب الياقات البيضاء الذين تم الاستعانة بهم من الخارج في عصرنا.
ومع ذلك، في حين أن تدريبهم متين، فإن جزءاً كبيراً منه موجه نحو التنفيذ الميكانيكي: مهارات البرمجيات، تحديث الرسومات، التفاصيل التقنية. لكن هذه المهام بالذات هي التي يتم أتمتتها بسرعة. في الوقت نفسه، تتجه أفضل الجامعات في أوروبا والولايات المتحدة نحو التفكير المفاهيمي، والذكاء البيئي، وتكامل الذكاء الاصطناعي. الرسالة واضحة: سوق العمل يتشعب إلى مسارين.
من يرتدي الياقة الآن؟
إذا أردنا تعريف “ياقة” جديدة للعمارة، فقد لا تكون بيضاء. قد تكون شبه شفافة — نصف مرئية، قائمة على السحابة، تتشكل بواسطة الخوارزميات والأوامر النصية. قد لا يكون مصمم المستقبل فرداً، بل نظاماً: مهندس أوامر (prompt engineer)، وذكاء اصطناعي يتغذى على البيانات، وفريق هجين يعمل عبر مناطق زمنية مختلفة.
هذا التحول يغير الجغرافيا الديموغرافية للتأثير. فبينما كانت أوروبا تصدّر العمارة الفلسفية، وسيطرت الولايات المتحدة على الحداثة التجارية، نرى الآن تكتلات تتشكل في أماكن أخرى. تستثمر الإمارات العربية المتحدة في “العمارة كعلامة تجارية”. وتتحول الصين والهند إلى مراكز تصنيع للتوسع الحضري المولّد بالذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، تستثمر المملكة العربية السعودية في مشاريع ضخمة مثل “نيوم”، ليس فقط كمشاريع عقارية، بل كمنصات لإعادة تعريف السكن البشري نفسه.
قد لا تعود الياقة المعمارية الحديثة إلى فرد، بل إلى منصة.
هل نصمم دوراً آيلاً للاختفاء؟
هناك قلق أعمق يكمن تحت بريق تدفقات العمل المعززة بالذكاء الاصطناعي. هل نحن، كتخصص، نصمم أنفسنا نحو عدم الأهمية؟ إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي إنشاء مئة خيار للواجهات، ومحاكاة دراسات ضوء النهار، وتنسيق الأنظمة الكهروميكانيكية في ساعات، فأين مكان المصمم؟ هل يصبح التصميم مسألة ذوق، أم مجرد ضبط للنماذج؟ هل أصبح المعماري الآن مجرد محرر لمخرجات الآلة؟
الخوف ليس بلا أساس. وفقاً لـ Goldman Sachs، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل ما يصل إلى 25% من وظائف ذوي الياقات البيضاء. في الهندسة المعمارية، قد يكون هذا الرقم أعلى بين المبتدئين والرسامين. ولكن مع التهديد تأتي إعادة التعريف. ربما يكون معماري المستقبل أقل تقنية، وأكثر نظرية، وتقييماً، واستراتيجية اجتماعية وبيئية.
كلمة تحذير: السردية مهمة
جزء كبير من السردية الحالية المحيطة بالذكاء الاصطناعي يتم تشكيلها من قبل منصات لها مصالح خاصة — شركات التكنولوجيا، والمؤثرون الإعلاميون، وفرق التسويق. الأخبار تتحول إلى ترويج. والأدوات تباع على أنها منقذة. لكن تخصص العمارة لا يمكنه أن يستهلك هذه القصص دون نقد. يجب علينا أن نكتب قصتنا الخاصة.
وتلك القصة يجب أن تطرح الأسئلة الصعبة:
- ما الذي يُفقد عندما تتفوق السرعة على العملية التصميمية؟
- من الذي يقيّم وينظم مجموعات البيانات التي يتدرب عليها الذكاء الاصطناعي؟
- أي تواريخ يتم محوها أو تسطيحها؟
هذه أسئلة معمارية بقدر ما هي أسئلة أخلاقية.
الخلاصة: بين الخوف والبصيرة
كانت طبقة ذوي الياقات البيضاء في يوم من الأيام رمزاً للتقدم الحديث، لكنها ظهرت من رحم تصدعات اجتماعية واقتصادية حقيقية. اليوم، نقف عند مفترق طرق مماثل، حيث ترتفع طبقة جديدة — لا يحددها التعليم أو الثروة، بل الوصول إلى الأنظمة، والإلمام بالذكاء الاصطناعي، ونوع جديد من التأليف.
العمارة والتصميم ليسا بمأمن. لقد تحولت لوحة الرسم إلى تدفق بيانات. وفي هذا التيار، لن يبقى مهماً إلا أولئك الذين يستطيعون السباحة عكس التيار — الذين يتساءلون، يقيّمون، ويربطون الأمور بما هو أبعد من الأدوات.
✦ رؤى تحريرية من ArchUp
تطرح هذه المقالة حقيقةً آنيةً ومزعجةً: تشهد مهنة العمارة تحولاً طبقياً صامتاً. إن ظهور “الموظفين ذوي الياقات البيضاء” – القائمين على البيانات، والمتمكنين من الذكاء الاصطناعي، والمنفصلين اجتماعياً – يتحدى المثل الأعلى التقليدي للمهندس المعماري المندمج اجتماعياً والمُحفّز إبداعياً. وبينما تُجسّد المقالة قلق الانقسامات الجيلية والاقتصادية، فإنها قد تُحلل بعمق كيفية تأثير ذلك على هياكل الفرق، والإرشاد، وأخلاقيات المشاريع.
بالنظر إلى عام ٢٠٣٠، من المرجح أن تتفاقم إعادة تعريف العمل المعماري. يجب على الشركات إعادة النظر ليس فقط في مَن تُوظّفهم، بل أيضاً في كيفية تطوير ممارسات مستدامة تتمحور حول الإنسان في ظل الأتمتة. إذا تُركت هذه الأدوار المجردة دون دراسة، فإنها تُخاطر بإنشاء مدن عقيمة، مُحسّنة بشكل مفرط، خالية من الذاكرة الثقافية والبصمة العاطفية.
اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية
نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية، وراجع المنصات الرسمية، وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.
قد يتغير لون الياقة. لكن الأكتاف التي تحتها يجب أن تظل تحمل ثقل المعنى.