مشروع باب داخلي من الميسيليوم يستكشف التحول في مواد البناء
إعادة التفكير في مفهوم الباب التقليدي
قد يبدو السؤال بسيطًا في ظاهره: ماذا لو كان الباب الذي نعبره يوميًا مصنوعًا من الفطريات بدلًا من الخشب التقليدي؟ إلا أن هذا التصور يفتح بابًا أوسع لإعادة التفكير في مواد البناء نفسها، وكيف يمكن للطبيعة أن تصبح جزءًا فاعلًا في صناعة العناصر المعمارية بدلًا من الاعتماد الكامل على الموارد المستخرجة والمعالجة صناعيًا.
في هذا السياق، طُوّر نموذج أولي لباب داخلي يعتمد على مواد حيوية، ضمن اتجاه بحثي يسعى إلى اختبار بدائل أكثر استدامة في بيئات المعيشة الحديثة.
الميسيليوم كعنصر إنشائي ناشئ
يرتكز هذا النهج على استخدام الميسيليوم، وهو البنية الجذرية للفطريات، حيث يتم توجيهه للنمو داخل قوالب محددة لتشكيل لوحات صلبة وخفيفة الوزن.
هذا النمو الطبيعي لا يقتصر على تشكيل المادة فقط، بل يمنحها أيضًا خصائص وظيفية مثل القدرة على امتصاص الصوت، وهو ما يضيف بعدًا أداءيًا إلى جانب البعد البيئي.
وبدلًا من أن تكون المادة خامًا يتم استخراجها، يتم “زراعتها” وفق شروط مضبوطة، ما يعكس تحولًا في طريقة التفكير من التصنيع إلى النمو.
تكامل المواد وتقليل الهدر
بعد اكتمال نمو قلب الميسيليوم، يتم دمجه داخل إطار خشبي مصنوع من أخشاب معاد استخدامها وبقايا فائضة من عمليات إنتاج سابقة. هذا الدمج لا يهدف فقط إلى الدعم الهيكلي، بل إلى تقليل الاعتماد على مواد جديدة قدر الإمكان.
ومن خلال هذا النهج، يصبح الباب نتيجة سلسلة إنتاج منخفضة الهدر، حيث يتم توظيف المخلفات الخشبية بدلًا من التخلص منها، بما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري في مواد البناء.
نموذج أولي لاتجاه معماري جديد
تم تطوير هذا الباب بالتعاون بين جهات متخصصة في المواد الحيوية والتصميم المعماري، كجزء من تجربة أوسع لا تزال في مرحلة النموذج الأولي. ورغم أنه لم يصل بعد إلى الإنتاج الكامل، إلا أنه يطرح سؤالًا أساسيًا حول مستقبل المواد المستخدمة في البناء الداخلي، وحدود الفصل بين الطبيعة والتصميم الصناعي.
تحدي الاعتماد على الخشب التقليدي
من منظور تطوير المواد، يُطرح هذا النوع من الابتكارات كتحدٍ مباشر للاعتماد التقليدي في صناعة البناء على الأخشاب الصلبة بطيئة النمو. فبدلًا من التعامل مع الخشب باعتباره الخيار الأساسي، يتم تقديم الميسيليوم كبديل متجدد يمكن إنتاجه في إطار زمني أقصر وبخصائص قابلة للتخصيص.
في هذا السياق، يشير أحد القائمين على المشروع إلى أن المواد القائمة على الفطريات قد تفتح المجال أمام مكونات إنشائية جديدة يمكن توسيع نطاق إنتاجها صناعيًا، بدلًا من بقائها ضمن نطاق التجارب المحدودة.
دورة إنتاج قصيرة وإمكانية التوسع
تتميز عملية تصنيع هذه المواد بمدة نمو لا تتجاوز نحو أسبوعين، وهي فترة قصيرة نسبيًا مقارنة بالمواد التقليدية المستخدمة في البناء.
الأهم من ذلك أن هذه العملية صُممت منذ البداية لتكون قابلة للتوسع، ما يعني إمكانية تحويلها من نموذج تجريبي إلى نظام إنتاج صناعي مستقر.
وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى هذه الأبواب كمنتجات فردية أو تجريبية فقط، بل كجزء من مسار إنتاج محتمل يمكن دمجه في سلاسل تصنيع أوسع مستقبلًا.
مرونة التصميم أثناء مرحلة النمو
من الجوانب اللافتة في هذا النهج أن خصائص المادة لا تُحدد بالكامل بعد التصنيع، بل يمكن التأثير عليها خلال مرحلة النمو نفسها.
فبدلًا من الاعتماد على عمليات تشطيب لاحقة، يمكن تعديل اللون والملمس منذ البداية، ما يقلل من الحاجة إلى خطوات معالجة إضافية.
كما يمكن توجيه المادة للحصول على درجات مختلفة من اللون أو حتى تغطيتها بطبقات طبيعية مثل الطين، ما يمنح السطح النهائي طابعًا أكثر دفئًا ويعزز ارتباطه بالمواد العضوية.
وبذلك، يتحول التصميم من عملية لاحقة على المادة إلى جزء مدمج في عملية تكوينها نفسها.
الأداء الإنشائي كأولوية تصميمية
لم يقتصر تطوير هذا النوع من الأبواب على الجانب المادي أو البيئي فقط، بل تم إعطاء أولوية واضحة للأداء الإنشائي. فخلال مرحلة النمو، أُضيفت طبقة ذات منشأ حيوي تعمل على زيادة صلابة الهيكل وتحسين مقاومته للحريق.
وتعتمد هذه التقنية على ما يمكن وصفه بـ”اللحام الحيوي”، حيث يتم تعزيز البنية الداخلية دون الحاجة إلى مواد لاصقة تقليدية أو إدخال مراحل تصنيع إضافية، مما يقلل من التعقيد الصناعي ويعيد تعريف مفهوم تقوية المواد من داخلها.
توافق مع معايير البناء الواقعية
إلى جانب ذلك، تم تصميم الباب ليكون متوافقًا مع المعايير المعتمدة في بناء المنازل الخاصة، خاصة فيما يتعلق بمقاومة الحريق والرطوبة.
هذا التوجه يضعه خارج نطاق النماذج التجريبية البحتة، ويقربه من إمكانية الاستخدام الفعلي في مشاريع البناء المعاصرة.
وبذلك، لا يُطرح الباب كمفهوم نظري فقط، بل كعنصر يمكن دمجه ضمن بيئات إنشائية تخضع لمعايير تنظيمية واضحة.
أول تطبيق فعلي ضمن مشروع سكني منخفض الأثر
من المتوقع أن يشهد هذا النموذج أول تطبيق عملي له في مشروع سكني منخفض الأثر يُعرف باسم Kaerhytten، والذي يقع في منطقة راملوسه في الدنمارك، ويجري تطويره تحت إشراف المعماري ينس مارتن سوزوكي-هوجروب، مع استهداف الانتهاء منه في عام 2026.
ويعكس هذا التوجه محاولة اختبار المواد الحيوية داخل سياقات معمارية حقيقية، بدلًا من إبقائها في نطاق المختبر أو النماذج المعزولة.
تفاصيل حسية وتوسع في الاستخدامات المستقبلية
يتضمن النموذج الأولي أيضًا عناصر تصميمية دقيقة، من بينها مقبض باب صُمم بواسطة المعماري بيانِر هامر لصالح العلامة الدنماركية Randi. ويتميز هذا المقبض، المعروف باسم Moom، بأنه مصبوب من أصداف بحرية معاد تدويرها، ما يضيف طبقة حسية تتماشى مع فلسفة المواد المستدامة المستخدمة في الباب.
وعلى مستوى أوسع، تتجه الشركتان المطورتان إلى توسيع نطاق هذه التقنية لتشمل ألواح الجدران والأسقف الصوتية المعتمدة على الميسيليوم، في محاولة لتوسيع استخدام المواد الحيوية داخل الفراغات الداخلية.
إعادة تعريف تجربة المساحة
في هذا السياق، يتم النظر إلى المواد الطبيعية ليس فقط كبديل بيئي، بل كعنصر قادر على إعادة تشكيل تجربة الإنسان داخل المكان. وكما يشير أحد المعماريين المشاركين، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالشكل أو الوظيفة، بل بكيف يمكن لهذه المواد أن تغيّر إدراكنا للمساحة بصريًا وصوتيًا، وربما حتى على مستوى الإحساس العام بالبيئة المحيطة.
✦ تحليل ArchUp التحريري
يظهر باب الميسيليوم هنا ليس كمقترح تصميمي بل كنتاج إداري ناتج عن تداخل سياسات تنظيم المواد، وضغوط تقارير الكربون، وتمويلات البحث في المواد الحيوية منخفضة الانبعاثات. الدافع الأساسي ليس النية الشكلية بل متطلبات مؤسسية لخفض البصمة الكربونية وإثبات الامتثال داخل أنظمة شهادات البناء. القيود التنظيمية المتعلقة بمقاومة الحريق، والرطوبة، ومسؤوليات التأمين تفرض تكوينًا هجينًا يجمع بين الميسيليوم النامي والهيكل الخشبي المعاد تدويره كآلية لتعزيز الاعتماد الإنشائي دون خرق المعايير. الناتج النهائي يمثل تسوية مادية بين قابلية التوسع المختبري وبطء البنية الصناعية التقليدية، حيث تُختزل دورة الإنتاج إلى زمن نمو بيولوجي بدل عمليات التصنيع الميكانيكي. ما يبدو كتجربة مادية هو في جوهره إعادة توظيف لتيارات النفايات الخشبية ضمن منظومة امتثال معيارية تسمح بإدماجها في وحدات سكنية منخفضة الأثر دون تعطيل البنية التنظيمية السائدة.