بين الطموح والواقع: الصراع العربي بين المشاريع الكبرى والحياة اليومية

Home » أبحاث العمارة » بين الطموح والواقع: الصراع العربي بين المشاريع الكبرى والحياة اليومية

تواجه السعودية اليوم فجوة بنيوية بين مشاريع العمران الكبرى المدعومة حكوميًا – مثل أحياء أكبر الأبراج وأطول المباني في جدة – وبين الواقع السكني في الضواحي، حيث جودة البناء متدنية ومساحات البناء تفتقر لمعايار معمارية وضوابط واضحة.

الفجوة العمرانية

تتركز المشاريع الكبرى في مناطق مخططة بشكل دقيق، تستخدم فيها المعايير الدولية وتُنفّذ بمعرفة شركات متخصصة. لكن على الضواحي، نرى اعتمادًا واسعًا على تنفيذ المقاولين بشكل فردي، غالبًا دون إشراف معماري فعلي، وهذا أثر على مثلث الجودة—العمر الافتراضي—الذوق العام. في الصورة: واجهات بسيطة، بلاستيكية الشكل، أقرب إلى “كراتين” متكررة، تفتقر للهوية والبُعد الفني.

أسعار العقار ونوعية البناء

بحسب تقارير Knight Frank، ارتفعت أسعار الشقق والفلل في الرياض خلال 2024 بنسبة ~10–11%، ليصل متوسط الشقق إلى 4,215 ريال/م² وللفلل إلى 5,000 ريال/م²  . رغم ذلك، جودة البناء في الضواحي لا تعكس هذا الارتفاع، ما يخلق فجوة بين السعر والأداء.

هيمنة المقاول على السوق

المقاول اليوم يمتلك أدوات أقوى من المعماري في التسويق واتخاذ القرار، مستفيدا من منصات مثل “حراج” والإعلانات المبوبة. يدير المشاريع ابتداءً من التصميم الأساسي وحتى التنفيذ، وغالبا ما يُهمّش طاقم الاستشاريين، مما يحوّل الواجهة المعمارية إلى تنفيذ شكلي لا يرتكز على رؤية فنية حقيقية.

تكرار التصميم ومحدودية الكود السعودي

عودة على الكود السعودي: رغم وجود السعودية للكود للمباني، إلا أن التطبيق متضارب. الصورة تُظهر واجهات مكررة بلا تنوع، وفي كثير من الأحيان لا يلتزم المقاولون بـ العزل أو الرستيكو الكود، رغم أن تطبيقه يُوفّر تشغيليًا حتى 44% من الطاقة ().

غياب الذوق والإبداع السعودي

يبدو أن المعماري السعودي تم تهميشه في مستويات المشاريع السكنية، وأصبح دوره وشخصيته غير ظاهرين في الساحة. قد تعزى إلى تركيز الدولة على مشاريع ضخمة، مما أثر على تشجيع الإبداع المحلي. مع ذلك، لا تزال روح الابتكار ممكنة، فالمشاريع السكنية غير الضخمة يمكن أن توفر مساحة لتجارب معمارية أكثر شخصية.

الضوابط الحكومية والدور البلدي

رغم أن النمو العمراني مدعوم من الدولة، فإن البيروقراطية البلدية تُهمّش التصميم والاستشاريين، مما يتيح مجالًا للمقاولين لتجاوز الذوق الفني. إلا أن هناك إشارات لإعادة التوازن من خلال ضوابط جديدة، هدفها تنظيم الواجهة المعمارية والهوية البصرية، خصوصًا في الأحياء القريبة من الأبراج.

الخلاصة والتوصيات

  1. توحيد أسعار العقار والزخم العمراني مع جودة التنفيذ: رفع معايير البناء أو فرض رقابة تقنية ضرورية لتجنب فقدان القيمة الحقيقية للأرض.
  2. إعادة تفعيل دور المعماري: تمكين الاستشاريين من الوكالة على المشاريع السكنية لضمان الهوية والجودة.
  3. تفعيل الكود بمعايير سوقية وتطبيق حقيقي: تطبيق العزل وممارسات العزل الحراري والمائي.
  4. التوازن بين النمو والتنفيذ: تشجيع التطوير الذكي في الضواحي، وخلق مساحات للسكن الفردي المبتكر.

رأي ArchUp التحريري

يحمل هذا المقال العربي بُعدًا وجدانيًا حقيقيًا، يرصد بحس عفوي الفروقات الجمالية والتصميمية بين البيئات العربية، ويضع المعماري العربي في مواجهة الطموح والواقع. لكن ما يجعل هذا الطرح مهمًا في 2025 هو أنه يُقرأ الآن في ضوء التحولات الكبرى التي قادها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من خلال برنامج “العمارة السعودية”. البرنامج لم يكن فقط إعلانًا عن شكل جديد، بل بمثابة قراءة واعية وعميقة لما ورد في هذا المقال، لكنه ترجم إلى سياسات ورؤى وضعت حدًا للفوضى البصرية وأعادت تشكيل الوعي الجمعي بالشكل والجودة.

لقد أخذ البرنامج الطموحات الشعبية وصهرها في شكل واضح وموحد للجميع، مستندًا إلى الكود السعودي للبناء، الذي بدوره حسّن كفاءة الطاقة وساعد على الحد من العبث البصري. لكن رغم هذا التقدم، يظل المقال في جوهره صادقًا ومؤلمًا، لأنه يُمثّل الانطباع الغالب قبل هذه الطفرة النوعية.

الأحياء الجديدة التي تنفذها المطوّرات العقارية اليوم أكثر تنظيمًا وجودة، لكن لا تزال بعض التحديات قائمة: التكرار النمطي، ضعف التنوع المعماري، وأحيانًا انفصال المنتج عن الهوية المحلية. وهذا يعيدنا إلى أهمية الرؤية النقدية المستمرة، التي يمثلها هذا المقال رغم عاطفيته.

استكشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية

تقدم ArchUp تحديثات يومية حول أفضل المعارض المعمارية العالمية، ومؤتمرات التصميم، والمنتديات المهنية للفنون والتصميم. تابع مسابقات العمارة الرئيسية، واطلع على النتائج الرسمية وابقَ على اطلاع بآخر الأخبار المعمارية حول العالم. تعتبر ArchUp مركزك الموسوعي لاكتشاف الفعاليات والفرص القائمة على التصميم حول العالم.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *