تجديد منزل فيكتوري في هاكني

Home » العمارة » تجديد منزل فيكتوري في هاكني

رؤية معاصرة في تجديد منزل فيكتوري في هاكني

عندما يتعلق الأمر بدمج الطابع التاريخي مع الاستدامة المتطورة، نادرًا ما نجد مشروعًا يُجسّد روح الحِرَفية والتصميم الحديث مثل مشروع تجديد منزل فيكتوري في هاكني من تنفيذ الاستوديو اللندني Archmongers. هذا المشروع ليس مجرد تحسين لمنزل قديم، بل هو إعادة تخيّل معمارية عميقة لما يمكن أن يكون عليه المنزل التراثي في القرن الحادي والعشرين.

الحفاظ على التاريخ والانفتاح نحو المستقبل

يقع منزل “راي هاوس” في منطقة محمية تراثيًا في دالستون، هاكني. وهو منزل فيكتوري كلاسيكي تم تحويله إلى مسكن مليء بالضوء، عالي الكفاءة في استهلاك الطاقة، وشخصي بامتياز. كان المنزل يعاني من مشكلات شائعة في مساكن لندن القديمة: تصميم داخلي مظلم ومجزأ، عزل حراري ضعيف، وأنظمة طاقة غير فعالة.

ولكن مالكي المنزل – وهما شخصان يعملان في مجال التصميم الغرافيكي والرسم – رأوا إمكانيات هائلة خلف هذه العيوب. وكانت وصيتهم إلى Archmongers واضحة: إعادة تنظيم المساحات لتحقيق تدفق أفضل وكفاءة أعلى، مع إدخال عناصر يدوية الصنع تعبّر عن ذوقهم الفني وتقديرهم للحِرَفية.

تدخّل معماري قائم على الضوء والترابط

الاستراتيجية المعمارية في مشروع تجديد منزل فيكتوري في هاكني تركزت على فكرة الترابط. بدلاً من التعامل مع كل طابق كوحدة مستقلة، سعى الفريق إلى وصل المستويات الثلاثة من خلال وضوح بصري وسلاسة في الحركة الرأسية.

أكثر التغييرات جذرية حدثت في الطابق السفلي، حيث فُتح على الحديقة عبر أبواب زجاجية منزلقة. هذا المستوى، الذي كان سابقًا معتمًا وغير مُستغَل، أصبح الآن مساحة للدراسة والمعيشة يغمرها ضوء طبيعي قادم من السماء ومن الشارع.

في الأعلى، تم تمديد الطابق الأرضي والأول بشكل طفيف نحو الخلف، مما أتاح نقل السلم الخشبي المركزي إلى عمق أكبر داخل المخطط. هذا التعديل أعاد هيكلة توزيع الضوء داخل المنزل، مما أضفى عليه إحساسًا بالرحابة والاتساق.

المادة كقصة سردية

من أبرز سمات هذا التجديد هو استخدام خشب دوغلاس fir في تنفيذ السلم وأعمال النجارة. وقد صُنع السلم على يد الحرفي Charles Tepasse ليكون عنصرًا نحتيًا في قلب المنزل. ولكن دوره يتجاوز الجمال البصري، فهو يمنح المستخدم تجربة ملموسة تعكس صدق المواد ودقة الصناعة.

وقد تم استخدام هذا الخشب ذاته في تفاصيل متعددة من المنزل مثل إطارات الأبواب والنوافذ، الجدران الفاصلة، وحدات التخزين، وحتى في إطار السرير. هذا الاتساق في المواد يخلق هدوءًا بصريًا وانسجامًا داخليًا يجعل من المنزل مساحة مدروسة ومترابطة.

إعادة تأويل الماضي: الإفريز الزخرفي

إحدى اللمسات الشعرية في هذا تجديد منزل فيكتوري في هاكني هو إدخال إفريز خرساني مزخرف صمّمه المالكان بنفسيهما. مستوحى من زخارف الجبس الفيكتوري، يعلو هذا الإفريز واجهة التمديد الخلفي بأشكاله الهندسية الناعمة.

لكن هذه الإضافة ليست تقليدًا زائفًا، بل إعادة تفسير حديثة للزخرفة التاريخية، عبر لغة مادية معاصرة تحوّل الزينة إلى حكاية ذات مغزى.

من الغاز إلى الحياة الكهربائية بالكامل

بعيدًا عن الجماليات، أولى المشروع أهمية كبرى للاستدامة. كان المنزل الأصلي يحتوي على نوافذ مفردة الزجاج، نظام تدفئة بالغاز، وعزل سيئ. أما بعد الترميم، أصبح “راي هاوس” مسكنًا كهربائيًا بالكامل عالي الأداء الحراري، بفضل التزجيج المزدوج، تحسين العزل، واعتماد استراتيجيات التصميم السلبي.

وهذا التوجه ذو أهمية خاصة في منطقة مثل هاكني، حيث العديد من المنازل مصنفة تراثيًا ويصعب تحديثها بيئيًا. يثبت هذا المشروع أن العمارة الخضراء يمكنها احترام السياق التاريخي وتجديده في آنٍ واحد.

احتفاء بالحرفية والتعاون

ما يميز هذا المشروع ليس فقط حِرَفيته العالية، بل روح التعاون الوثيق بين المعماريين والمالكين والحرفيين. تصميم الإفريز من قبل المالكين أنفسهم يعكس مدى تشرب المنزل لهويتهم الإبداعية.

كما تم إعادة استخدام بعض عناصر المنزل الأصلي، مثل خطوات الرخام المؤدية للطابق السفلي، والتي تم تصنيعها من أطُر المدفأة القديمة. هذه المواد ليست فقط إعادة تدوير بل ذاكرة مادية متجذّرة في المكان.

رؤية معمارية جديدة للحياة الحضرية

هذا تجديد منزل فيكتوري في هاكني لا يعتمد على تمديدات زجاجية ضخمة أو تغييرات صاخبة، بل يقدم دروسًا في إعادة التنظيم الذكي والبراعة المادية. يعانق قيود الحفاظ التراثي ويعيد تشكيلها في قالب معاصر يناسب الحياة الحديثة.

من الناحية المعمارية، يتحدى المشروع النمط السائد في التعامل مع المنازل القديمة. لا يلغي الماضي بل يستخدمه كمنصة للتجريب والإبداع، ويملأ المساحة بالضوء والغرض والرقي الصامت.


فقرة ختامية نقدية: ما بعد المظهر

وراء النجاح التقني والجمالي لهذا المشروع، تكمن روحه المتعددة الطبقات. فهو يطرح تساؤلات حقيقية: ماذا يحدث عندما يصبح الترميم حوارًا؟ عندما تتحول المادة إلى معنى؟ وعندما تكون الاستدامة لغة هادئة تنعكس في الخشب والضوء والحياة اليومية؟

في زمنٍ أصبحت فيه تجديدات المنازل الفيكتورية إما باهتة أو مزيفة، يقدم “راي هاوس” بديلًا جريئًا: تصميم مدروس، أصيل، ومترسّخ في المكان والإنسان.

وذلك، بلا شك، مخطط يستحق أن يُحتذى.

لكل من يبحث عن مصدر معماري موثوق ومواكب، ArchUp يقدم محتوى متجدد يغطي المشاريع والتصميم والمسابقات.

الصور: جيم ستيفنسون.

للمزيد على ArchUp:

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *