Film still from The Shrouds, showing upright figure in shroud, in darkened room with TV playing

قراءة تحليليّة لفيلم The Shrouds — عبثية الموت في عصر ما بعد الحقيقة

Home » أرشيف المقالات » قراءة تحليليّة لفيلم The Shrouds — عبثية الموت في عصر ما بعد الحقيقة

مشهد افتتاحي يكشف عمق الغرابة

يبدأ فيلم The Shrouds للمخرج ديفيد كروننبرغ بمشهد شديد الرمزية: جسدٌ ذابل يرقد في كهفٍ تحت الأرض. تتحرك الكاميرا ببطء لتلتقط رجلاً يتلصص عبر فجوةٍ في الأرض من الأعلى. ثم يفتح فمه على اتساعه وتقتحم العدسة صرخته العميقة. هكذا يُقدّم الفيلم منذ لحظاته الأولى تصورًا بصريًا يوحي بأن الحزن هنا ليس حالةً عابرة. إنه تجربة غريبة ومربكة، تشبه تمامًا الفوضى الرقمية التي صارت تلتهم تفاصيل حياتنا المعاصرة.

امتداد لأعمال كروننبرغ السابقة

وعند التمعّن في تفاصيل هذا العمل، يظهر جليًا أن الفيلم يحمل صدى أعمال كروننبرغ السابقة مثل دراما Crash الإيروتيكية وفيلمه المستقبلي Crimes of the Future. لكن هنا، يغوص The Shrouds أعمق من مجرّد استكشاف المدافن. إذ يمتد إلى عوالم أكثر غموضًا، مثل نظريات المؤامرة التي تتناسل في زوايا الإنترنت المظلمة.

فكرة التقنية والحزن المتشابكين

في هذا الإطار، يبرز بطل العمل كارش (الذي يؤدي دوره فينسينت كاسل)، رجل أعمال غارق في ذاته. يحاول التعامل مع صدمة رحيل زوجته بيكا (ديان كروغر). في محاولة للسيطرة على حزنه، يبتكر «الكفن» – غطاء تكنولوجي مستوحى من الكفن المقدس في تورينو. مع أنه يشكك شخصيًا في مصداقيته التاريخية، هذا الغطاء يصدر إشعاعات تتيح تتبّع تحلّل الأجساد لحظةً بلحظة. بما يعكس إيمان زوجته بأن الروح والجسد لا ينفصلان.

مقبرة حصرية برؤية مستقبلية

ولتعزيز فكرته، يموّل كارش إنشاء مقبرة كاملة تحت مسمى «غرايف تيك» (GraveTech)، صُمّمت لتجمع بين القداسة والحداثة. تضم هذه المقبرة مطعمًا وبارًا، وتكتسي بجو كئيب مكسو بأردية الكفن عالية التقنية التي تحاكي هيئة ملاك الموت. وبين ردهاتها تنتشر قطع أراضٍ جنائزية أصبحت مطلوبة لدى فئة ترى أن التكنولوجيا قد تمنحهم رابطًا أخيرًا مع من فقدوهم.

مواجهة الفوضى الرقمية

مع تقدّم أحداث The Shrouds، يدرك كارش أن السيطرة على عالم التقنية ليست سهلة كما تصوّر. سرعان ما يتعرّض مشروعه غرايف تيك لأعمال تخريب تستحضر حوادث واقعية لتدنيس المقابر اليهودية بدوافع معادية للسامية.

من التخريب إلى الاختراق

لاحقًا، يتجاوز الضرر حدود الواقع ليصل إلى الفضاء الرقمي. يتعرّض المشروع للاختراق، فيجد كارش نفسه عالقًا وسط شبكة معقدة من المؤامرات على الإنترنت المظلم. هنا يفتح أحد العملاء أمامه باب الشكوك، ليكشف عن خيوط متشابكة تقود إلى جهات محتملة: من الروس، مرورًا بجماعة آيسلندية بيئية. وصولًا إلى طبيب غامض سبق أن عالج زوجته الراحلة، وحتى المستثمرين الصينيين الذين يدعمون غرايف تيك.

أجساد تتحلل ونظريات تتكاثر

مع تصاعد هذه الشكوك، تبدأ الأجساد المتحللة داخل المقبرة الحصرية في إظهار كتلٍ غريبة تشبه الأورام. هذا المشهد يفتح الباب لاحتمالين: إمّا أن إشعاعات «الكفن» هي السبب. أو أن هناك قوى خفية تعبث بالصور الرقمية القادمة من داخل التوابيت.

الذكاء الاصطناعي يتمرّد

وفي خضم كل هذا، يظهر بعد آخر أكثر غرابة. فقد صمّم كارش مساعدًا افتراضيًا يحاكي هيئة زوجته المتوفاة، لكنه سرعان ما يفقد السيطرة عليه. ومع تطوّر الأحداث، ينسحب هذا الجنون الافتراضي إلى حياة كارش الشخصية، حيث تتخذ نظريات المؤامرة منحًى حميميًا ضمن علاقة عاطفية مع شقيقة زوجته، التي تشبهها إلى حد التطابق.

انعكاس شخصي للمخرج

من المثير للاهتمام أن بعض النقاد يرون في الفيلم لمحة ساخرة من ذات كروننبرغ نفسه. فقد فقد المخرج زوجته مؤخرًا بسبب السرطان. ويقال إنه حرص على تدريب الممثل فينسينت كاسل لينطق بلكنة تورونتو الكندية، بينما يظهر الأخير بشعره الرمادي الذي يكرّس صورة رجلٍ يواجه حزنه وتخبطه الرقمي معًا.

أسلوب يتجاوز الرعب التقليدي

وعلى عكس بعض الأفلام الحديثة التي تناولت موضوع الفقد (Bring Her Back، Smile، Hereditary) من زاوية الرعب، ينحرف The Shrouds عن هذه اللغة المألوفة. إذ ينسج العمل نغمة خاصة تجمع بين التأمل، الغرابة، والسريالية. هذا في خطوة تجعله مميزًا حتى بين أعمال كروننبرغ السابقة.

Film still from The Shrouds showing man facing woman, her hands on his face

إثارة مؤامرات بوجه فلسفي

يأتي فيلم The Shrouds كإثارة من نوع خاص. يربط بين التشوش الذي يخلقه الإنترنت في عصر ما بعد الحقيقة وبين عبثية الموت التي لا يمكن إدراكها أو احتواؤها. هنا، لا يمنح كروننبرغ المشاهد أي مفاتيح سهلة للفهم. بل يصنع غموضًا مقصودًا يدفعنا للتفكير فيما وراء الصورة.

الألفة وسط زحف التقنية

ومع ذلك، يظل هاجس كروننبرغ قائمًا: كيف تعيش الألفة حين تتشابك مع آلة تتطور بسرعة تفوق قدرة البشر على اللحاق بها؟ التقنية، بكل صورها المريبة وصعوبة كبحها، تضخ روحًا كهربائية في قلب هذا التأمل المظلم في معنى الفقد.

رهان منخفض ومصير محسوم

لكن اللافت أن رهان الفيلم – رغم كونه عمل إثارة – يظل منخفضًا على نحو غير مألوف. يظهر ذلك من خلال شخصية طبيب الأسنان الذي يلخص فلسفته بعبارة ساخرة: «الحزن ينخر أسنانك». وكأنه يذكّرنا أن الجسد نفسه يسير نحو تحلل بطيء لا مفر منه.

انتظار النهاية بلا عزاء

في هذا العالم، معظم الشخصيات الرئيسية إما تنتظر نهايتها بصمت أو سبقتها إلى باطن الأرض. ومع كل الوعود التي يقدمها مشروع غرايف تيك بربط الأحياء بالأموات، يظل هذا الاتصال حلمًا عقيمًا. يشير ذلك إلى رغبة بشرية في الألفة لا تجد أبدًا سبيلًا حقيقيًا للتحقق.

Film director David Cronenberg leaning forward to look at a camera screen held by an assistant

تحليل ArchUp التحريري

بعكس أفلام حديثة كـ Hereditary أو Smile التي تعاملت مع الفقد بلغة الرعب المباشر، يصنع The Shrouds حالة خاصة: تأملية، سريالية، ونقدية في آنٍ معًا. هنا، لا يرفع كروننبرغ مستوى الرهانات، بل يذكّرنا عبر طبيب أسنان كارش (الذي يردد أن «الحزن ينخر أسنانك») أن الأجساد تتحلّل حتمًا — وأن الكفن، مهما بدا مبتكرًا، عاجز عن منحنا اتصالًا حقيقيًا بمن رحلوا.


اكتشف أحدث المعارض والمؤتمرات المعمارية

نقدم في ArchUp تغطية يومية لأبرز الفعاليات المعمارية والفعاليات الدولية والمنتديات الفنية والتصميمية حول العالم.
تابع أهم المسابقات المعمارية, وراجع المنصات الرسمية, وابقَ على اطلاع عبر الأخبار المعمارية الأكثر مصداقية وتحديثًا.
يُعد ArchUp منصة موسوعية تجمع بين الفعاليات وفرص التفاعل المعماري العالمي في مكان واحد.


Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *