Excess or Disgust: Architecture Between Material Surplus and Aesthetic Scarcity

ترف أو قرف: العمارة بين فائض المواد وندرة الذائقة

Home » مواد البناء » ترف أو قرف: العمارة بين فائض المواد وندرة الذائقة

بقلم رئيس التحرير – ArchUp

في زوايا المدن الناشئة، تتراكم المواد كما تتراكم الأسئلة. لا أحد ينكر أن وفرة مواد البناء في الأسواق اليوم باتت أشبه بمهرجان مفتوح، حيث تُعرض المواد لا لتخدم وظيفة معمارية نزيهة، بل لتغري، تلمع، وتُركّب فوق الذاكرة البصرية كأنها تجميل اصطناعي لوجه بلا ملامح.

الصورة المرفقة لهذا المقال التُقطت في أحد أحياء ، وهي تُمثل حالة معمارية شائعة: مبنى يُعاد تجليده بالكامل، تُنزع عنه طبقاته الأصلية كما تُنزع الملابس عن جثة تصميم مات دون أن يُدفن. يكفي أن نتتبع خطوط السقالات لندرك أن ما يجري ليس ترميمًا واعيًا، بل عملية إلباس لواجهة غير مقنعة، تُخفي ما لا يمكن محوه: غياب الذائقة المعمارية.

حين يصبح التسويق أداة بناء

في السابق، كانت مواد البناء نتاجًا للبيئة، مرتبطة بالحجر، الطين، الخشب، والجص. أما اليوم، فالسوق هو من يُنتج المواد، لا البيئة. شركات التسويق تُقنع المالك والمقاول على حد سواء أن “الكلادينغ” هو ما يصنع الفخامة، وأن التقليد هو الأصالة الجديدة، وأن الجلد الصناعي للواجهة أهم من هيكل المبنى نفسه.

وفي الوقت الذي تُروّج فيه هذه المواد في معارض محلية ودولية، يُطرح سؤال مُلح: هل نحن نبني فعلاً، أم نُجمّل أطلالًا من دون مضمون؟

بوتيكات العمارة: من الفقر تولد الجماليات

في تناقض لافت، نرى في الطرف الآخر من المشهد، ستوديوهات معمارية صغيرة – قد تتكون من شخصين أو ثلاثة – تصنع أعمالاً أكثر صدقًا وجمالًا من عشرات المشاريع الحكومية أو التجارية الكبرى. هؤلاء لا يعتمدون على وفرة المواد، بل على فهمها. يستخدمون الطين أو الخشب المعاد تدويره أو حتى الأسمنت المكشوف، لكنهم يصيغونه بجماليات حقيقية تنبع من المكان، لا من البروشورات.

تقلّص المساحة… وتقلّص العمارة

في الستينيات والسبعينيات، كانت المساحة السكنية للفرد في – على سبيل المثال – تتجاوز 60 إلى 80 مترًا مربعًا. اليوم، في ظل الطلب الهائل على الإسكان وانخفاض القدرة الشرائية، تقلّصت المساحة إلى أقل من 35 مترًا مربعًا للفرد في بعض المناطق. هذا التحول انعكس مباشرة على خيارات المواد، إذ باتت المساحة الصغيرة لا تحتمل تنوع الخامات، فبدأ الاتجاه نحو المواد “الخفيفة”، لا بمعناها الإنشائي فقط، بل الجمالي أيضًا. تلاشت العمارة، وبقي “التجليد”.

استدامة؟ أم مجرد ضجيج أخضر؟

في خضم الحديث العالمي عن الاستدامة، نجد أن الكثير من المواد التي تُسوّق على أنها صديقة للبيئة هي في الحقيقة لا تُراعي دورة الحياة الكاملة للمنتج. البلاستيك المعاد تدويره قد يُستهلك في عملية معقدة تترك بصمة كربونية أكبر من استخدام الخشب الطبيعي. والمواد العازلة الجديدة قد تكون ذات تكلفة بيئية عالية عند التخلص منها. الاستدامة ليست في الشعار الأخضر، بل في الصدق المعماري والبنائي.

هل فقدنا أصالة المواد؟

المواد الطبيعية – كالحجر الطيني أو الخشب المحلّي – باتت اليوم تُعامل كمواد فاخرة، رغم أنها في الأصل كانت “العادية”. أما المواد الصناعية – كالألمنيوم المدهون أو البانلز البلاستيكية – فقد أصبحت عنوان الحداثة الرخيصة. وفي هذا القلب المقلوب، يصعد سؤال محوري: هل نحن في طريقنا لأن نُفقد ذاكرة العمارة عبر فقدان موادها؟

في السابق، كانت المادة تسرد القصة. أما اليوم، فالمادة تُجمّل الغلاف بينما تترك الصفحات بيضاء.

عشوائية التجليد واغتيال العمارة

مئات المباني السكنية في المدن العربية تُلبّس يوميًا بواجهات كاذبة. كانت عمارات بيضاء نقية، فأصبحت سوداء مصقولة. كانت تُعبّر عن مناخها، فتحولت إلى “شقق جاهزة على الطراز الحديث”. هذا النوع من العمارة لا يُرمّم، بل يُعاد تشكيله وفق ما يطلبه السوق، لا ما يحتاجه المكان.

خاتمة: ترف المواد أم قرف الذائقة؟

الترف الحقيقي ليس في تنوع الخامات، بل في عمق الاختيار. والقرف لا يأتي من فقر الموارد، بل من سوء استخدامها. في عصر الإنتاج الفائق، يصبح الانضباط هو فن العمارة، ويغدو التواضع في اختيار المادة – حين يكون عن وعي – قمة الترف.

دعونا لا نُغرق واجهات مدننا بما لا يشبهها، ولا نُزين حاضرنا بقشور لا جذور لها.


رأي رئيس التحرير:

حين أقف أمام مبنى يُعاد تغليفه بلا سبب واضح، أشعر وكأنني أرى لوحة فنية يُعاد دهنها بلون رمادي باهت لإرضاء مزاج السوق. المعماري ليس مُلزمًا بالخضوع لعروض وكلاء المواد، بل عليه أن يتحدى، أن يُعلّم، أن يعيد تعريف الذوق العام. لدينا قفزات هندسية كبرى المشاريع الرائدة – لكن المشهد اليومي في الأحياء السكنية لا يعكس هذا التقدم. لننتبه: أصالة العمارة لا تُشترى، بل تُبنى.

✦ رأي ArchUp التحريري

مقال “ترف أو قرف” لا يكتفي برصد الظواهر، بل يتوغّل في لبّ معضلة معمارية معاصرة تواجه الأسواق الخليجية والناشئة: هل تنوّع مواد البناء هو مظهر من مظاهر الرقي والتقدّم؟ أم مجرد غطاء لبصريّات هشّة تفتقر للأصالة؟

العنوان الاستفزازي يلتقط التناقض بين ما يبدو فخمًا، وما هو في الحقيقة ناتج عن ذوق تسويقي غير ناضج. بين استخدام الرخام المستورد في مبانٍ لا تتجاوز قيمتها السوقية، وطلاء واجهات الإسكان بلون “رخامي” بلا هوية، يكشف المقال عن فوضى في القرار المعماري يقودها التسويق، لا التصميم.

المقال يربط بين خمسة محاور جوهرية:

  • فقدان الهوية البصرية في أحياءنا الجديدة.
  • سطحية المواد الصناعية في مقابل أصالة المواد الطبيعية.
  • تناقض الغايات التسويقية مع الكفاءة الوظيفية.
  • أثر تقليص المساحات على قرارات التصميم واختيار المواد.
  • التحوّلات المناخية والطلب على الاستدامة في ظل فقر واضح للوعي البيئي لدى المطورين.

هذا الرأي لا يُدين فحسب، بل يعيد طرح سؤال محوري: هل يمكننا بناء عمارة راقية بمواد قليلة؟، ويضع المطورين، والمصممين، وحتى البلديات، أمام مرآة الواقع.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *