حين يحترق الجدار من الداخل

في منتصف الصيف، حين تلمس جدار غرفتك قبل النوم، تجده دافئاً بحرارة النهار التي خزّنها منذ ساعات. لا يوجد خلل في البناء، ولا إهمال في التصميم — هذه ببساطة طبيعة الخرسانة العادية: كتلة كثيفة تمتص الحرارة وتحتفظ بها وتُعيدها إليك حين تحتاج إلى برود. وفي المدن التي تعاني أصلاً من ضعف شبكات الكهرباء أو ارتفاع تكاليف التبريد، يتحول هذا الجدار الكثيف إلى عبء مزمن يُضاعف الفواتير ويُقلل جودة الحياة.
المفارقة أن الحل لم يكن في مكان بعيد. كان في الرغوة — تلك الفقاعات الصغيرة التي تُنتجها ملعقة صابون في كوب ماء. حين تُحشر هذه الفقاعات داخل الخرسانة، تتحول الكتلة الصماء إلى شبكة من الهواء والإسمنت، يخفّ وزنها إلى النصف أو الربع، ويتراجع توصيلها للحرارة إلى مستويات لم تكن الخرسانة التقليدية تحلم بها. هذه هي الخرسانة الرغوية — مادة تعرفها الهندسة منذ عقود، لكنها ظلت حبيسة المصانع الكبيرة والمولّدات الصناعية. حتى جاءت دراسات جديدة تُثبت أن إنتاجها ممكن بأدوات لا تتجاوز خلاط المطبخ وصابون الغسيل.
الهواء الذي يبني — كيف تعمل الخرسانة الرغوية
لفهم ما يجري داخل هذه المادة، تخيل أنك تخبز إسفنجة. في الإسفنجة، فقاعات الهواء المحاصرة بين جدران العجين هي ما يجعلها ناعمة وخفيفة — لا يهم ما يصنع تلك الفقاعات، إن كانت خميرة أو بيكنج باودر أو هواء مخفوقاً يدوياً. الخرسانة الرغوية تعتمد على المنطق ذاتها تماماً، لكن بعجينة من الإسمنت بدلاً من الدقيق.
تتراوح كثافة الخرسانة الرغوية بين 400 و1600 كيلوغرام للمتر المكعب، وهي نطاق واسع يُخبر المهندس بكل شيء: كثافة 400 كيلوغرام تعني أن الهواء يُشكّل الجزء الأكبر من الحجم، وهنا تكون خصائص العزل الحراري في أفضل حالاتها لكن المقاومة الميكانيكية في أضعفها. كثافة 1600 كيلوغرام تقترب من الخرسانة العادية الخفيفة، وتصلح للاستخدامات الإنشائية. وبين الحدين، يقرر المهندس أو المبني أيّ كثافة يختار بحسب ما يحتاجه: جداراً عازلاً لسقف خفيف، أم بلاطاً يتحمّل الأوزان.
الطريقة التقليدية لإنتاج هذه الخرسانة تتبع مساراً من مسارين رئيسيين، وفّقت كل منهما دراسات رامامورثي وزملائه التي أصبحت مرجعاً لا غنى عنه في هذا المجال. المسار الأول هو التخميد المسبق للرغوة: يُنتج المهندس الرغوة أولاً في إناء منفصل باستخدام مولّد مخصص، ثم يضيف هذه الرغوة الجاهزة إلى خليط الإسمنت ويمزجها برفق حتى تتوزع الفقاعات بانتظام. هذا المسار يُعطي تحكماً أفضل في الكثافة والتجانس، وهو ما يُفضله المهنيون في معظم المشاريع. المسار الثاني أبسط — يُضاف عامل الإرغاء مباشرة إلى الخليط الإسمنتي أثناء الخلط، فتتشكل الفقاعات والخرسانة في الوقت ذاته. الأمر أسرع وأسهل، لكنه يُعطي تحكماً أقل، ويحتاج عادةً كميات أكبر من عامل الإرغاء.
في كلا المسارين، العامل الحاسم الذي يصنع الفارق ليس كمية الرغوة بل نوعيتها وثباتها. فقاعة صغيرة مستقرة تبقى في مكانها حتى يتصلب الإسمنت حولها — أما فقاعة كبيرة هشة فستنفجر أو تتدمج مع أخرى قبل أن تُتاح لها فرصة الحياة داخل الجدار. وهنا تبدأ المسألة الأهم في هذا العلم كله: ما الذي يصنع الرغوة الجيدة؟ وكيف يفعل ذلك أي شخص بأدوات بسيطة؟
صابون الغسيل كمادة بناء — ما تقوله الكيمياء
يبدو الأمر غريباً حين تسمعه لأول مرة: صابون الأطباق الذي تستخدمه في مطبخك قد يكون مادة بناء مشروعة في الهندسة. لكن الكيمياء تُبرر ذلك تماماً.
المواد الفعّالة في صابون الغسيل تنتمي إلى عائلة الناشطات السطحية الأيونية السالبة، وأبرزها كبريتات لوريل الصوديوم المعروفة بـ SLS، وكبريتات لوريل الإيثر الصوديوم المعروفة بـ SLES، وأولفين سولفونات الصوديوم AOS. هذه المركبات تفعل شيئاً واحداً بارعاً: تقلل التوتر السطحي للماء فتجعله قادراً على الاحتفاظ بفقاعات الهواء بدلاً من طردها.
في دراسة نشرتها مجلة “مواد البناء والإنشاء” أجراها ماغلاد وميدين وزملاؤهما، وُجد أن AOS يُنتج رغوة تتمدد 25 مرة عن حجمها الأصلي، وتتميز بأدق بنية مسامية حيث يقل حجم معظم الفقاعات عن 400 ميكرون. الخرسانة المُنتجة منها بلغت مقاومة ضغط 13.1 ميغاباسكال عند كثافة 1500 كيلوغرام — وهو رقم يجعلها مرشحة جدية لتطبيقات إنشائية خفيفة. SLS تقترب من هذا الأداء وتحتل المرتبة الثانية، مع مقاومة تعادل 95% من أداء AOS تقريباً.
غير أن كبريتات لوريل الصوديوم وأخواتها لها مشكلة لا تُذكر كثيراً في الأدبيات الإنجليزية: المنتجات التجارية من صابون المطبخ تحتوي على إضافات متعددة من مُثخّنات وإنزيمات وأملاح تحسين الرغوة ومواد حافظة. بعض هذه الإضافات تتدخل في تفاعلات الإسمنت وتُبطئ الإماهة أو تُعيق تصلب الخليط. لذلك توصي الدراسات بتجربة دفعة صغيرة أولاً، ورصد سلوك التصلب قبل الشروع في الإنتاج الكبير.
إنتاج الرغوة بالطريقة البسيطة يتطلب خلاط يدوياً أو مثقاباً مزوداً بمضرب طلاء، ومحلول مخفف من العامل الرغوي بتركيز يتراوح بين 1% و10% في الماء. الخلط لثلاث إلى خمس دقائق بأقصى سرعة يُنتج رغوة “رطبة” — فقاعاتها أكبر مقارنة بالرغوة الصناعية، ونزول السائل منها أسرع. لتعويض هذا القصور، تُضاف كميات صغيرة من كربوكسيميثيل سيليلوز CMC أو الجيلاتين أو حتى نشاء الذرة، وهي مواد تُزيد من لزوجة الفيلم السائل المحيط بالفقاعة وتُبطئ تفككها.
لكن الرغوة الجيدة حقاً — التي تُجاهي الرغوة الصناعية — تحتاج إلى مولّد بسيط يضخ الهواء عبر قيود في المسار. وقد أثبتت دراسة ساهو وغاندي أن الضغط يلعب دوراً محورياً في هذا السياق: رفع ضغط ضخ الهواء من 78 كيلوباسكال إلى 490 كيلوباسكال يُنتج رغوة أكثر جفافاً وأصغر فقاعات وأطول عمراً بمقدار مرتين إلى خمس مرات. مولّد رغوة مصنوع منزلياً من خزان ضغط وصمام هواء وأنبوب يحتوي صوفاً حديدياً أو شبكة سلكية ناعمة كاف لتحقيق هذا المستوى — مضخة الإطارات أو ضاغط هواء المرآب يكفيان كمصدر ضغط.
حين تُبني الجدران من قشر شجرة — الوكيل الرغوي النباتي
ثمة شجرة تُعرف بأسماء عديدة في آسيا وأجزاء من أفريقيا وأمريكا اللاتينية — تُسمى الصابونية الهندية أو سابينداس موكوروسي. قشر ثمارها يحتوي على مركبات طبيعية اسمها الصابونينات، وهي جزيئات نباتية تُقلل التوتر السطحي للماء وتُنتج رغوة بيضاء كثيفة حين تُرجّ مع الماء. استُخدمت هذه القشور منذ قرون للغسيل والتنظيف، لكن الدراسات الهندسية الحديثة اكتشفت أنها قادرة على صنع الخرسانة أيضاً.
في دراسة رصينة أجراها سيفا ورامامورثي وذامودران ونشرتها مجلة “إسمنت وكومبوزيت الخرسانة” عام 2017، جُرب قشر الصابونية الهندية كعامل رغوي لإنتاج الخرسانة الخلوية. طريقة التحضير في غاية البساطة: تُزال البذور من الثمرة ويُستخدم القشر وحده، ثم يُنقع في الماء لأربع وعشرين ساعة في درجة حرارة الغرفة، أو يُسخّن في الماء عند 80 درجة مئوية لفترة أقصر لاستخلاص الصابونينات بشكل أسرع. يُصفّى المحلول ويُخفف حتى يصل تركيز القشر إلى ما بين 4.5% و5.5% من وزن الماء — وهو النطاق الأمثل للحصول على رغوة مستقرة بحسب الدراسة. عند ضخ هذا المحلول في مولّد رغوة بسيط بضغط 178 كيلوباسكال، تُنتج رغوة تُلبي معايير ASTM الأمريكية بكثافة 50 كيلوغراماً للمتر المكعب بعد خمس عشرة دقيقة من الإنتاج.
لكن ثمة ثمن يدفعه الصابونينات: هذه المركبات النباتية تحتوي على سكريات تُعيق التفاعل الكيميائي لأيون الكالسيوم مع الماء في الإسمنت، مما يُؤخر التصلب أحياناً حتى 144 ساعة — أكثر من ستة أيام بدلاً من اليوم الواحد المعتاد. هذا التأخير كان كافياً لإحباط التجارب الأولى وتوقف بعض الباحثين عند هذه العقبة. الحل الذي وجده الفريق الهندي بسيط وعملي: إضافة كبريتات الألومنيوم — الشبّة — بنسبة 5% من وزن عامل الإرغاء. الشبّة معروفة في كل الأسواق المحلية، رخيصة السعر، ولها حموضة (pH 4.07) تتوافق كيميائياً مع محلول الصابونية الهندية. تدفع الشبّة الإسمنت نحو تكوين كبريتات كالسيوم ألومينات المائية التي تُسرّع عملية التصلب وتُعيده إلى مداه الطبيعي.
ما يجعل هذا الحل لافتاً للانتباه أكثر هو ما يستتبعه من تداعيات على مستوى التصميم الحضري: في المناطق الاستوائية أو شبه الجافة حيث تنمو شجرة الصابونية بوفرة، يمكن نظرياً أن تُغذّي صناعة مواد بناء خفيفة وعازلة للحرارة، دون استيراد أي مادة كيميائية وبتوليد نفايات شبه معدومة. القشر المستخلص يُعاد تسميده، والمنتج نهايته جدار أبرد وأخف — من شجرة كانت تُستخدم في الغسيل. هذه ليست فلسفة اقتصاديات دائرية بالمعنى التسويقي — إنها خيار بنائي عملي قابل للتطبيق اليوم.
الحافر الذي يبني — كيمياء البروتين في خدمة الرغوة
قبل أن تصل إلى مرحلة الخلط والصب، ثمة فئة من عوامل الإرغاء تعمل بمبدأ مختلف تماماً عن الصابون والنباتات — إنها البروتينات الحيوانية المُحللة. والمثير أن المصدر الخام لهذه البروتينات قد لا يبدو مادة بناء على الإطلاق: حوافر الحيوانات وقرونها.
في دراسة لين وتشاو وهوو ونشرتها مجلة “أبحاث المواد المتقدمة”، جرى تحضير عامل إرغاء بروتيني من مسحوق حوافر الحيوانات وفق خطوات يمكن تطبيقها في ورشة مجهزة بشكل بسيط: يُخلط المسحوق مع هيدروكسيد الكالسيوم (الجير) والماء، ويُسخّن عند 100 درجة مئوية لثماني ساعات مع التحريك المستمر في عملية تُعرف بالتحلل المائي. يُرشّح المحلول ثم يُعادل بحمض الهيدروكلوريك، وتُضاف إليه كميات صغيرة من مثبّتات مثل ثلاثي إيثانول أمين قبل تخفيفه بنسبة 1 إلى 40 مع الماء عند الاستخدام.
لماذا تنجح البروتينات المُحللة في إنتاج رغوة عالية الجودة؟ الإجابة تكشفها دراسة هو وليو ولو التي نشرتها مجلة “مواد البناء والإنشاء” عام 2021. التحلل غير الكامل لسلاسل البروتين يُنتج جزيئات وسيطة تحتوي على مجموعتين كيميائيتين مختلفتين في طبيعتهما: مجموعة تُحب الماء وتنجذب نحو الطور المائي، ومجموعة تكره الماء وتنجذب نحو الهواء. هذا البناء المزدوج يجعل الجزيء يتمركز تلقائياً عند سطح الفقاعة الهوائية ويُكوّن حول كل فقاعة غشاء متيناً يُقاوم الانهيار. والأدهى من ذلك، أن جزيئات البروتين تُكوّن مركبات تنسيقية مع أيونات الكالسيوم المنطلقة من الإسمنت، مما يُضخّم لزوجة الفيلم السائل المحيط بالفقاعة ويُضاعف ثباتها.
النتائج التقنية تُبرر هذا الجهد: معدل التمدد 29 مرة، ومقاومة إزهار الرغوة لأكثر من أربع ساعات متواصلة وهو ضعف المعيار القياسي المطلوب، ويمكن الحصول على خرسانة رغوية بكثافة تصل إلى 305 كيلوغرامات للمتر المكعب — كثافة تجعل منها إحدى أخف خرسانات الرغوة المُوثّقة في الأدبيات الهندسية — مع توصيل حراري يتراوح بين 0.055 و0.234 واط لكل متر-كلفن. هذا النطاق الأخير هو ما يُقارب الخرسانة الرغوية البروتينية من مواد العزل الحراري التقليدية كالفلين والصوف الصخري.
مصادر بديلة للبروتين الخام تشمل مسحوق الحوافر والقرون المُجهّز مسبقاً والمتاح في الأسواق الزراعية والصناعية. ولمن يفكر في هذا الخيار على نطاق صغير، يمكن الحصول على مادة خاماً من المسالخ المحلية بتكلفة رمزية — وهو ما يجعل البروتين الحيواني المحلول خيار المناطق الريفية الأكثر اتصالاً بالثروة الحيوانية.
الخميرة التي تبني — رغوة ما بعد التخمير
لكن ربما الأكثر استفزازاً للخيال في كل هذا البحث هو الفكرة التالية: ماذا لو تركت الميكروبات تصنع عامل الإرغاء نيابة عنك؟
دراسة ليو وليو ورونغ وما التي نشرتها مجلة “مواد البناء والإنشاء” عام 2023 قدّمت إجابة جدية عن هذا السؤال. خميرة البيرة — سكاروميسس سيريفيسيا — تملك إنزيمات بروتياز تُحلل البروتينات في بيئتها المغذية وتُنتج جزيئات ذات نشاط سطحي. وفي الوقت ذاته، ينتج تنفس الخميرة ثاني أكسيد الكربون الذي يتحد مع الهواء المُحتجز لتكوين فقاعات مستقرة.
التركيبة المُثلى التي اختبرها الفريق الصيني تعتمد على: تلقيح بخميرة بنسبة 10%، وفترة حضانة 48 ساعة، وبيئة مغذية تحتوي على جلوكوز ومستخلص الخميرة وتربتون (مصدر بروتيني) بنسب محددة، وحموضة (pH) محايدة عند 7. بعد التحضين، يُخفق المحلول بسرعة 3000 دورة في الدقيقة لثلاثين دقيقة، ويُضاف الجيلاتين بنسبة 0.4% لتعزيز الثبات. الناتج رغوة تتمدد 28 مرة، تصمد ساعة كاملة بنزول سائل لا يتجاوز 25 ملليمتراً.
الخرسانة المُنتجة من هذه الرغوة الميكروبية بلغت كثافة 967 كيلوغراماً للمتر المكعب مع مقاومة ضغط 4.7 ميغاباسكال بعد 28 يوماً من المعالجة — مستوى مُحقق للمعايير الصناعية الصينية لهذه الفئة من المواد. ما يستحق الإشارة هنا، أن الفريق وجد فارقاً جوهرياً بين طريقتي الخلط: إضافة الرغوة الميكروبية مسبقاً ثم دمجها بالإسمنت أعطى نتائج أفضل بكثير من إضافة الخميرة مباشرة إلى الخليط الإسمنتي. السبب واضح كيميائياً — الحرارة المنطلقة من إماهة الإسمنت ودرجة القلوية العالية لبيئته تُضعف الخميرة وتُقلل نشاطها. بينما حين تُحضّر الرغوة منفصلة وتُضاف جاهزة، يُحمى نظامها الحيوي من هذه البيئة القاسية.
الجسر بين الرغوة والجدار — ما يجب أن لا يخطئه البنّاء
حتى الرغوة المثالية لا تُنتج خرسانة جيدة إذا أُسيء التعامل مع الخليط. ثمة قواعد فيزيائية وكيميائية لا تقبل المساومة في هذه المرحلة، وفهمها يُوفّر كثيراً من المحاولات الفاشلة.
القاعدة الأولى تتعلق بنسبة الماء إلى الإسمنت. النطاق الذي تُجمع عليه الدراسات يتراوح بين 0.4 و0.6. أقل من ذلك يجعل العجينة جافة جداً فتحطم فقاعات الرغوة حين تُدمج معها. أكثر من ذلك يجعلها سائلة فتنهار الفقاعات بفعل ثقلها. مؤشر عملي للتحقق من الاتساق المناسب هو اختبار الانسياب الدائري — إذا انتشرت العجينة بنسبة 45% فوق قطرها الأصلي، فالخليط في منطقة الأمان.
القاعدة الثانية تخص الخلط نفسه. الخرسانة الرغوية لا تُهزّ ولا تُدكّ. الهزاز الكهربائي الذي يُستخدم عادةً لتكثيف الخرسانة العادية يدمر الخرسانة الرغوية دماراً كاملاً — يحطم الفقاعات ويُعيد الخليط إلى كثافته الأصلية. الصب يجب أن يكون رفيقاً، والقوالب تُملأ دون هز أو ضغط، ويُترك الخليط ليستقر بثقله الخفيف.
القاعدة الثالثة تخص الوقت. الرغوة لا تنتظر. بعد إنتاجها، يبدأ نزول السائل من جدران الفقاعات في الدقيقة الأولى ويتسارع مع الزمن. معظم الدراسات توصي بأن يُصبّ الخليط الرغوي خلال 15 دقيقة من الخلط. تجاوز هذا الوقت يعني خسارة جزء من الرغوة وارتفاعاً في الكثافة الفعلية عما كان مخططاً.
القاعدة الرابعة تخص المعالجة بعد الصب. التغطية البلاستيكية فور الصب تمنع التبخر السريع الذي قد يُشقق السطح قبل أن يتصلب الإسمنت. الفك من القوالب يتم بعد 24 إلى 48 ساعة، تليها معالجة رطبة بالرش أو الغمر لمدة لا تقل عن سبعة أيام — وهي المرحلة التي تكتسب فيها الخرسانة الرغوية جزءاً كبيراً من مقاومتها النهائية.
وأخيراً، نوع الخلاط مهم. مخلاط الأسطوانة الدوارة المُستخدم للخرسانة العادية يطحن الرغوة ويُدمرها. مخلاط اللوح المسطح أو المخلاط ذو الحامل الثابت والذراع الدوار هو الأنسب لإدماج الرغوة بالإسمنت بحركة لطيفة تحافظ على الفقاعات.
خاتمة — حين يُصبح الهواء مادة بناء
في نهاية كل هذا البحث والاختبار والمعادلات الكيميائية، يعود المشهد إلى تلك اللحظة اليومية البسيطة: الجدار الذي تلمسه في الليل ويؤلمك بحرارته. هذا الجدار الثقيل الصمّاء ليس قدراً هندسياً — إنه اختيار مادة. واختيار مادة مختلف يعني جداراً مختلفاً: أخف بنصف الوزن أو أكثر، أبرد في الصيف لأن الهواء المحبوس داخله يُوقف انتقال الحرارة، وربما مصنوع من صابون يُباع في أي بقالة أو من قشر شجرة تنمو في الحديقة القريبة.
الأكثر إثارة ليس التقنية في حد ذاتها — إنه الباب الذي تفتحه. حين تنتج مادة بناء خفيفة وعازلة بأدوات متاحة ومواد محلية، تتحول صناعة البناء من نشاط احتكاري يحتاج رأس مال ضخم وأسواق مركزية، إلى ممارسة يمكن أن تحدث في ورشة صغيرة أو حتى في فناء البيت. هذا ليس حلم تقنية خضراء بعيد التحقيق — إنه ما أثبتته التجارب الموثقة في مختبرات الهند والصين وبرازيل التحقق.
السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً — وهو سؤال يخص المعماريين والمخططين قبل المهندسين الإنشائيين — هو: من يملك معرفة هذه الطرق في المجتمعات التي تحتاجها أكثر؟ وحين تصل هذه المعرفة إلى يد بنّاء في قرية حارة تنمو فيها الصابونية الهندية، ماذا يتغير في شكل المبنى، وفي حياة من يسكنه؟
✦ رؤية ArchUp التحريرية
ما توثّقه الأبحاث المتعلقة بإنتاج الخرسانة الرغوية بتقنيات منخفضة التكلفة ليس اختراقاً في علم المواد — بل هو كشف بنيوي عن الطريقة التي تُسعّر بها صناعة البناء المعرفة ذاتها. عوامل الإرغاء التي اختبرتها هذه الدراسات — كبريتات لوريل الصوديوم المتوفرة في أي منظف منزلي، وقشر الصابونية الهندية المنقوع في الماء لأربع وعشرين ساعة، وخميرة البيرة المحضونة في وسط جلوكوزي، والبروتين الحيواني المُحلَّل المستخرج من نفايات المسالخ — كلها موجودة منذ عقود، بل منذ قرون في بعض الحالات. فالصابونين الموجود في سابينداس موكوروسي كان يُستخدم في غسيل الملابس في الأسر الجنوب آسيوية قبل أن يُنتج رغوة مطابقة لمعايير ASTM عند ضغط 178 كيلوباسكال. ما أبقى هذه المواد خارج سلسلة توريد البناء لم يكن قصوراً تقنياً، بل كان منطق الشراء: مصنّعو مولّدات الرغوة الصناعية، وموردو عوامل الإرغاء الاحتكارية، ومنظومات الاعتماد التي تعترف بمنتجاتهم — كلها أنتجت معاً حاجزاً معلوماتياً جعل البدائل المتاحة محلياً تبدو غير جديرة بالاعتبار. إن نمط نقل المسؤولية الذي رصده هذا الأرشيف عبر مختلف المقاييس — من المطوّر الذي يخرج قبل أن تتجلى التبعات في العمارة للإيجار، إلى المؤسسة التي تُفوّض قبل أن يصل المستخدم — يعمل هنا على مستوى المادة ذاتها: فالمجتمعات الأكثر تضرراً من إخفاقات الأداء الحراري للخرسانة الكثيفة، تلك الواقعة في المناطق الاستوائية وشبه الجافة حيث تتقطع شبكات الكهرباء وتنعدم ميزانيات التبريد، هي بالضبط المجتمعات الأبعد عن منظومات الشراء التي تُقرر أي المواد تُعدّ مشروعة. ما تُثبته هذه الدراسات مجتمعةً هو أن الفجوة لم تكن يوماً تقنية — بل كانت دائماً معلوماتية، والتفاوت لم يكن مصادفة.
المراجع
ماغلاد، أ.م.، وميدين، م.أ.أو.، وداتا، ص.د.، وعبّود، إ.س.، وطايه، ب.أ. “تأثير عوامل الإرغاء من الناشطات السطحية الأيونية السالبة على خصائص الخرسانة الخلوية الخفيفة”. مجلة مواد البناء والإنشاء، 2024.
رامامورثي، ك.، ونمبيار، إ.ك.ك.، ورانجاني، ج.إ.س. “تصنيف الدراسات المتعلقة بخصائص الخرسانة الرغوية”. مجلة إسمنت وكومبوزيت الخرسانة، 2009.
عمران، ي.ه.م.، وفرزادنيا، ن.، وعبانج علي، أ.أ. “خصائص وتطبيقات الخرسانة الرغوية — مراجعة شاملة”. مجلة مواد البناء والإنشاء، 2015.
ساهو، ص.س.، وغاندي، إ.ص.ر. “تقييم أداء الرغوة المُنتجة بطرق مختلفة للاستخدام في إنتاج الخرسانة الرغوية”. سلسلة مؤتمرات IOP لعلوم وهندسة المواد، 2019.
ليو، ي.، وليو، ز.، ورونغ، ه.، وما، ج. “بحث في آلية إرغاء العوامل الميكروبية وتطبيقها في الخرسانة الرغوية”. مجلة مواد البناء والإنشاء، 2023.
سيفا، م.، ورامامورثي، ك.، وذامودران، ر. “تطوير عامل إرغاء أخضر وتقييم أدائه”. مجلة إسمنت وكومبوزيت الخرسانة، 2017.
لين، د.، وتشاو، ك.، وهوو، ج.ج.، وتشاو، ج.ج.، وهان، ج.ت. “تحضير عامل إرغاء جديد وتطبيقه في الخرسانة الرغوية”. مجلة أبحاث المواد المتقدمة، 2013.
هو، ل.، ولي، ج.، ولو، ز.، وني، ي. “تأثير عامل الإرغاء على الإسمنت والخرسانة الرغوية”. مجلة مواد البناء والإنشاء، 2021.
لي، ز.ك.، وتشانغ، أ.ج.، ولي، ز.ك.، وشيانغ، ه.ك. “تركيب عامل إرغاء مركّب للخرسانة الرغوية الخفيفة”. مجلة أبحاث المواد المتقدمة، 2013.






