توظيف الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة في مراقبة وصيانة البنية التحتية وشبكات الطرق الحضرية

تعرف هذا الإحساس جيداً. تسير سيارتك بهدوء، وفنجان القهوة مستقر في حامله، ثم تسقط العجلة في حفرة لم تكن تراها. ترتجف السيارة نصف ثانية، ويهتز الفنجان، وتتمتم بجملة لا تُقال أمام الأطفال. ننسى اللحظة بعد دقائق ونكمل الطريق، وكأن الحفرة حادث عابر لا يعنينا. غير أن هذه الحفرة بدأت قبل أشهر شقاً شعرياً رفيعاً، وكان يمكن لمن ينظر إليه أن يقرأ فيه مصيرها. الجديد أن من ينظر اليوم لم يعد رجلاً يمشي على حافة الطريق بسترة عاكسة ودفتر ملاحظات، بل طائرة صغيرة تحلق على ارتفاع ثلاثين متراً وخلفها خوارزمية لا تتعب. فهل تستطيع هذه العين الجديدة أن تُنهي الارتجاجة نفسها قبل أن تحدث؟
الفاحص الذي يقف على حافة الخطر
لنبدأ من الطريقة القديمة. يعتمد المسح التقليدي لحالة الرصف على فاحص يمشي أو يزحف ببطء ويسجل ما يراه بعينه. تصف الدراسات التي استعرضها هذا التقرير هذه الطريقة بأنها ذاتية ومرهقة وبطيئة، وتعرّض القائمين بها لمخاطر المرور. فاحصان مختلفان قد يصنفان الشق نفسه بدرجتين متباينتين من الخطورة، والفاحص الواحد قد يحكم على الشارع نفسه بحكمين مختلفين في صباحين مختلفين.
ولكي تُضبط هذه الفوضى وُجد مؤشر حالة الرصف، المعتمد في المواصفة الأمريكية «دي 6433». فكرته أنيقة: يُقسّم الطريق إلى وحدات عيّنة، ويُسجَّل في كل وحدة نوع التشوه وشدته وكثافته، ثم تُترجم هذه المعطيات إلى «قيم خصم» تُطرح من مئة. الدرجة مئة تعني طريقاً ممتازاً، والصفر يعني طريقاً انتهى. يشبه الأمر كشفاً طبياً يختصر جسد الطريق في رقم واحد يفهمه المهندس وصانع القرار وموازنة البلدية على السواء.
لكن هذه المواصفة صُممت أصلاً للمسح اليدوي، كما يذكر يانغ وزملاؤه، ولا تستوعب المعالجة الآلية بسهولة. والرقم الذي يبدو محايداً يولد في الحقيقة من عين بشرية متعبة ومن فحص يستغرق أياماً لمقطع قصير. والسؤال الذي شغل الباحثين هو هل يمكن الاحتفاظ بصرامة المؤشر وإزالة هشاشة الفاحص؟ بدأت الإجابة من السماء.
عين تطير فوق الأسفلت
تكشف المراجعة الشاملة التي أجراها مانجوشا وسونيثا أن الطائرات المسيرة متعددة المراوح، مثل الرباعية والسداسية، هي الأكثر استخداماً في جمع بيانات الرصف، لأنها رشيقة الحركة واسعة المدى منخفضة الكلفة. وجودة البيانات لا تأتي بالمصادفة. فهي تتحدد بارتفاع الطيران وسرعته ونسبة التداخل بين الصور ودقة البكسل على الأرض وزاوية الكاميرا. وتوصي المراجعة بتداخل أمامي نحو خمسة وسبعين بالمئة وجانبي نحو ستين بالمئة إذا كان الهدف نمذجة ثلاثية الأبعاد، أي أن كل نقطة على الطريق يجب أن تظهر في عدة صور حتى يعيد البرنامج بناءها مجسمة.
وتُظهر الأمثلة الميدانية معنى ذلك عملياً. استخدم أستور وزملاؤه طائرة من طراز «فانتوم 4 برو» على ارتفاع بين ثلاثة عشر وعشرين متراً، والتقطوا ألفاً ومئتين وثلاثاً وعشرين صورة بتداخل سبعين بالمئة، فحصلوا على خريطة فسيفسائية مصححة الإحداثيات بدقة مكانية أقل من سنتيمتر واحد. وفي الصين حلّق تشنغ وفريقه بطائرة «إم 300» على ارتفاع ثلاثين متراً وبكاميرا عالية الدقة، والتقطوا ألفين وأربعمئة وأربعين صورة لطرق في مدينة تيانجين، ضمّت ستة أنواع من التشوهات.
بعد ذلك تدخل الصور برامج المساحة التصويرية فتخرج منها خرائط فسيفسائية ونماذج سطحية رقمية وسحب نقطية ثلاثية الأبعاد. هذه المنتجات تصبح الوسيط البصري الذي يُحدَّد عليه التشوه وتُقاس أبعاده، فيُحسب المؤشر دون أن يزور أحد الموقع. هكذا ينتقل الفاحص من الشارع إلى المكتب، والطريق الذي كان يُقاس بالخطوات صار يُقاس بالبكسل. لكن الصورة وحدها ليست حكماً، وما زال عليها أن تجد من يقرؤها.
خوارزمية تتعلم أن ترى الشقوق
هنا يظهر التعلم العميق، وأبرز عائلاته في هذا المجال «يولو»، أي «تنظر مرة واحدة فقط». فكرتها أن الشبكة العصبية تمسح الصورة كلها دفعة واحدة وتحدد مواضع التشوهات وأنواعها بسرعة تكفي للعمل الآني. طوّر ليو وزملاؤه نموذجاً مطوراً عن الإصدار الثامن أسموه «ماسل-يولو»، أضافوا إليه وحدات لاستخراج الملامح بمقاييس متعددة ولتركيز الانتباه وتوسيع مجال الرؤية. اختبروه على سبعة آلاف ومئتين وإحدى وثمانين صورة تضم شقوقاً عرضية وطولية وجلدة التمساح وحفراً وتشققات حول أغطية المناهل، فبلغ متوسط الدقة خمسة وثمانين فاصلة خمسة بالمئة بسرعة ثلاث وسبعين إطاراً في الثانية. وعندما رُكّب على مركبة مزودة بمستشعر بصري ووحدة تحديد مواقع، أثبت قدرته على الكشف الآني والمركبة تسير بأربعين كيلومتراً في الساعة.
أما تشنغ وزملاؤه فقد بنوا «آر إل دي-نت» على أساس «يولوإكس»، وهو نموذج صُمم لصور الطائرات تحديداً، وفيه وحدات تقلل ضجيج الخلفية وتدمج التفاصيل الدقيقة بالسياق العام. قفزت دقته إلى أربعة وثمانين فاصلة سبعة بالمئة مقابل ثمانية وسبعين فاصلة تسعة للنموذج الأساسي.
ولم تقف الأبحاث عند هذه العائلة. دمج راثود وزملاؤه نماذج بصرية قائمة على المحولات مع شبكة عصبية متكررة محسّنة بخوارزمية مستوحاة من العنكبوت الأرملة السوداء، وبلغت دقتهم سبعة وتسعين فاصلة خمسة بالمئة على صور طائرات جمعوها بأنفسهم. وأثبت وو وزملاؤه أن شبكة من نوع «فاستر آر-سي إن إن» قادرة على كشف شقوق الخرسانة في صور حرارية بالأشعة تحت الحمراء، رغم أن مجموعة التدريب لم تتجاوز مئتي صورة. أما هو وزملاؤه فنقلوا الفكرة إلى سطح الجسر، ودمجوا خرائط الطائرة بنظم المعلومات الجغرافية لرصد الشقوق مكانياً على جسر حقيقي في أتلانتا.
كل هذه الأرقام تبدو مبهرة، لكنها تجيب عن سؤال واحد فقط: هل رأت الآلة الشق؟ أما سؤال المعماري والمخطط فمختلف، وهو كيف يتحول ما رأته إلى رقم يُبنى عليه قرار؟
حين تتحول الصورة إلى رقم بين صفر ومئة
الحلقة الأهم في السلسلة هي الربط بين كشف التشوه وحساب المؤشر. اقترح وو وزملاؤه مبكراً، في عام 2018، خط إنتاج متكاملاً: جمع صور مرئية وحرارية بالطائرة، ثم استدلال الشبكة العصبية، ثم تحديد الشدة بقياس أبعاد التشوه حاسوبياً، ثم حساب قيم الخصم وفق المواصفة، وأخيراً حساب المؤشر بطرح أعلى قيمة خصم مصححة من مئة.
وجاءت البراهين الميدانية لاحقاً. فقد اختبر يانغ وفريقه نظام «كراك-نت» الذي يكتشف تلقائياً جلدة التمساح والشقوق الطولية والعرضية في صور ثنائية وثلاثية الأبعاد، التقطتها مركبة مسح لا طائرة، ثم حسبوا المؤشر آلياً. وفي موقعين بولاية ماريلاند ارتبطت نتائجهم الآلية لعام 2018 بالنتائج اليدوية لعام 2016 بمعامل ارتباط بلغ تسعين بالمئة في موقع واثنين وتسعين في الآخر.
أما الدراسة الأقرب إلى روح هذا المقال فأجراها أستور وزملاؤه على مقطع طوله كيلومتر ونصف من طريق باندونغ-سوبانغ في إندونيسيا. قسموه إلى تسع وستين وحدة عيّنة لمؤشر حالة الرصف وخمسة عشر مقطعاً لمؤشر بديل هو «مؤشر تشوه السطح»، وقارنوا نماذج الطائرة بالقياسات اليدوية. أظهر المؤشر الأول توافقاً قوياً بمعامل تحديد ستة وثمانين بالمئة، ولم تجد اختبارات التباين فرقاً ذا دلالة إحصائية بين الطريقتين. أما المؤشر البديل فكان أضعف، إذ بلغ معامل تحديده ثلاثة وخمسين وستمئة من الألف. ويفسّر الباحثون ذلك بأن المؤشر الأول يلتقط تسعة عشر نوعاً من التشوهات مقابل أربعة فقط للثاني. أي أن الغنى في وصف العلّة يصنع دقة في التشخيص.
على أن هذه النتائج الواعدة تحمل في طياتها تحذيراً يجب ألا يضيع وسط الحماسة.
الأرقام الجميلة التي قد تخدعنا
حين تتراكم الدراسات الناجحة يغدو الحذر فضيلة. أجرى زيهان وزملاؤه تحليلاً تجميعياً لثماني وعشرين دراسة، عشر منها في الكشف عن الأجسام وثماني عشرة في التجزئة الدلالية، أي تلوين كل بكسل بحسب ما يمثله. بلغ متوسط مقياس الأداء للنوع الأول ثمانين بالمئة، وللنوع الثاني ستة وثمانين بالمئة. أرقام ممتازة، لكن الباحثين توقفوا عند مصدر البيانات. فالدراسات التي جمعت صورها بأجهزة محمولة يدوياً سجلت نتائج أعلى من تلك التي جمعتها بمركبات مسح مزودة بماسحات ليزرية متحركة، وهو ما يعني أن الدراسات الثابتة قد تبالغ في تقدير جاهزية النموذج للعمل الحقيقي.
المفارقة واضحة: الطريق الحقيقي لا يقف ساكناً ليتصور. فيه ظلال وحركة وبقع زيت وانعكاسات شمس. ولاحظ الباحثون أيضاً أن كثيراً من الدراسات لا تُفصح بما يكفي عن مقاييس الخطأ الأساسية، ولا تناقش كيف قيّمت أخطاءها، ودعوا إلى توحيد أسلوب الإبلاغ. ولم يجدوا أن حجم الصورة عامل مؤثر في التباين، أي أن تقطيع الصور إلى رقع صغيرة لا يُضعف الأداء المعلن بحد ذاته.
ويُضاف إلى ذلك غياب مجموعات بيانات موحدة ومفتوحة تتيح مقارنة عادلة، رغم جهود مثل مجموعة «آر دي دي 2022» التي جمعت بيانات من ست دول. وللتخفيف من شح البيانات يلجأ الباحثون عادة إلى نقل التعلم من نماذج دُربت مسبقاً على مجموعات صور عامة. وسرعان ما تتضح هذه الفجوة بين المختبر والشارع حين نخرج من الأسفلت اللامع إلى عوائق الواقع.
الأشجار والعمق والطرق التي بلا أسفلت
تكشف الدراسات عن عوائق متكررة. أولها الحجب: فالأشجار والمركبات والظلال تخفي التشوه عن عدسة الطائرة. سجل أستور وزملاؤه أدنى دقة لقياس الأبعاد في تشققات الحواف بنسبة خمسة وسبعين فاصلة اثنين وسبعين بالمئة، لأن الأشجار تغطي حواف الطريق، بينما بلغت أعلى دقة سبعة وتسعين فاصلة ستة وثمانين بالمئة في تشققات الفواصل المنعكسة. ويقترح الباحثون استخدام مستشعرات الليدار القادرة على اختراق الغطاء النباتي. وثانيها تقلبات البيئة، فقد لجأ ليو وفريقه إلى تقنية تعزيز البيانات لمحاكاة المطر والثلج والضباب حتى يصمد نموذجهم. وثالثها الشقوق الدقيقة التي تزداد صعوبة كشفها كلما ارتفعت الطائرة.
أما أصعب العوائق فالعمق. فالنماذج ثلاثية الأبعاد المستخرجة من الطائرة قد لا تلتقط عمق الانخفاضات والأخاديد بدقة، بسبب حدود دقة النموذج الرقمي للارتفاعات. وهنا تتعثر المعادلة كلها، لأن المواصفة تشترط تحديد الشدة بقياس عرض الشق وعمق الحفرة وعمق الأخدود. ويضيف يانغ وزملاؤه أن التطبيقات الآلية الحالية تعتمد أساساً على بيانات التشققات، بينما تحتاج التشوهات غير التشققية، كالتخدد والتفتت والنضح والترقيع، إلى تطوير خوارزميات إضافية.
وتفتح دراسة خيلجي وزملائه بُعداً مهملاً: الطرق غير المعبدة، وهي الشريان الحقيقي في مناطق كثيرة. أنشأ الباحثون إطاراً من مرحلتين، الأولى تفصل سطح الطريق عن محيطه والثانية تبحث داخله عن الحفر والتموج والأخاديد. وتفوقت الشبكة «موبايل نت في 2» بدقة فصل تجاوزت ثلاثة وتسعين فاصلة خمسة بالمئة للطريق وستة وثمانين بالمئة للتشوهات. ولاحظوا أن الطيران ببطء ثلاثة أمتار في الثانية يعطي نتائج أفضل من خمسة أمتار، فالسرعة تُقاس دائماً بثمن الدقة.
الخاتمة
لن تمنع الطائرة المسيرة الحفرة القادمة بمجرد أن تحلق فوقها. هي تقدم ما هو أصعب وأثمن: أن ترى الطريق قبل أن يؤلمنا. لكن ما بين صورة الشق وقرار الصيانة سلسلة طويلة من الافتراضات: مواصفة صُممت لعين بشرية، وبيانات مختبرية أنظف من الواقع، وأشجار تخفي الحافة، وعمق لا تلتقطه العدسة بدقة. وربما يكون السؤال الأعمق أعمق من التقنية نفسها. إذا أصبحت الخوارزمية قادرة يوماً على إصدار رقم لكل شارع في المدينة، فهل ستذهب الصيانة أولاً إلى الشارع الأسوأ حالاً أم إلى الشارع الأعلى صوتاً؟ وحين يرتجف فنجان القهوة في يدك مرة أخرى عند الحفرة نفسها، هل ستسأل عن الأسفلت، أم عمن قرر أن رقمها يكفي ليُؤجَّل إصلاحها؟
المراجع
ليو، ز. وآخرون. “الكشف الآني عن تشوهات الرصف استناداً إلى التعلم العميق والمستشعرات البصرية”. مجلة مواد الطرق وتصميم الرصف، 2024.
مانجوشا، م.، وسونيثا، ف. “مراجعة لتقنيات التقييم المتقدم لتشوهات الرصف باستخدام الطائرات المسيرة”. المجلة الدولية لهندسة الرصف، 2023.
أستور، ي. وآخرون. “توظيف الطائرات المسيرة في مسح حالة الرصف”. هندسة النقل، 2023.
تشنغ، ه. وآخرون. “آر إل دي-نت: نموذج تعلم عميق مطور للكشف الدقيق عن تشوهات الرصف باستخدام صور الطائرات المسيرة”. النمذجة والتجارب والتصميم متعددة المقاييس والتخصصات، 2025.
راثود، ف. ف.، ورانا، د. ب.، وميهتا، ر. ج. “رؤية الطائرات المسيرة المدعومة بالتعلم العميق للكشف الآلي عن شقوق الطرق وتصنيفها”. مجلة الاختبارات غير الإتلافية وتقييمها، 2024.
وو، و. وآخرون. “الجمع بين التعلم العميق والطائرات المسيرة لأتمتة تقييم حالة البنية التحتية”. المؤتمر الدولي للمدن الذكية، 2018.
هو، د.، ويي، ت.، وغوف، د. “الكشف الآلي عن شقوق أسطح الجسور ورسمها باستخدام التعلم العميق والطائرات المسيرة”. مجلة المراقبة الإنشائية لصحة المنشآت المدنية، 2024.
خيلجي، ت. ن.، ولوريس، ل. ل. أ.، وأزار، إ. ر. “التعرف على التشوهات في الطرق غير المعبدة باستخدام الأنظمة الجوية غير المأهولة والتجزئة بالتعلم العميق”. مجلة الحوسبة في الهندسة المدنية، 2021.
زيهان، ز. أ.، وسمادي، أ.، وتيلبرغ، م.، ويماني، م. س. “تجميع أداء التعلم العميق في الكشف البصري عن تشوهات الرصف”. حلول البنية التحتية المبتكرة، 2023.
يانغ، غ. وآخرون. “الأداء الميداني للتحليل الآلي الكامل للتشققات القائم على التعلم العميق وإمكاناته في مسوحات مؤشر حالة الرصف”. مؤتمر أرصفة المطارات والطرق السريعة، 2019.






