كاسا دي بويرتو: تحفة معمارية صغيرة تروي قصة الساحل في بروغريسو
مقدمة: حيث تلتقي حياة المدينة بهدوئ الساحل
في قلب مدينة بروغريسو الساحلية النابضة في ولاية يوكاتان المكسيكية، حيث يمتزج إيقاع الحياة الحضرية بصفاء البحر الكاريبي، يقف منزل كاسا دي بويرتو شاهداً على براعة التصميم. هذا المشروع، من تصميم TACO Taller de Arquitectura Contextual، يقدم حلماً لسكان المدن الساحلية: كيف يمكن لعمارة ذكية أن تخلق ملاذاً مثالياً يربط بين حيوية المدينة وهدوء الساحل، دون الحاجة إلى مساحات واسعة.
التحدي والاستجابة: الإبداع داخل مساحة 5×17 متراً
تم تشييد المنزل على قطعة أرض مستطيلة ضيقة، لا تتعدى مساحتها 5 أمتار في 17 متراً، وهي قيود قد تبدو صعبة للكثيرين. لكن استوديو TACO استقبل هذا التحدي كمصدر للإلهام. بدلاً من النظر إلى ضيق المساحة كعائق، تم اعتبارها محفزاً للتفكير الإبداعي، مما أدى إلى تبني استراتيجية التصميم الرأسي التي تعظم الاستفادة من كل سنتيمتر متاح، مع الحفاظ على الشعور بالاتساع والانفتاح.


المرونة كفلسفة: وحدتان سكنيتان في منزل واحد
في صميم مفهوم التصميم فكرة المرونة الوظيفية. يحتوي المنزل على وحدتين سكنيتين متكاملتين يمكن تشغيلهما بطريقتين:
· كمسكنين مستقلين: مما يجعله حلاً مثالياً لوحدة عائلية رئيسية مع وحدة مكملة للضيوف أو لتوليد دخل إضافي عبر التأجير.
· كمسكن موحد: حيث يتم دمج الوحدتين لإنشاء مساحة عائلية واحدة مترابطة، لتلبية احتياجات سكانه المتغيرة مع الوقت.
هذه الفلسفة تجعل المنزل كائناً حياً قابلاً للتكيف، وليس مجرد هيكل ثابت.
حوار المواد: نسيج مكاني بين الأصالة والصناعية
العلاقة مع الموقع لا تتوقف عند التصميم، بل تمتد إلى اختيار المواد التي تحكي قصة المكان. المنزل هو حوار جميل بين الماضي والحاضر:
· الجدران الحجرية القديمة: تم دمج أجزاء من الهيكل القائم والجدران الجانبية الأصلية بعناية في البناء الجديد، مما يمنحه جذوراً تاريخية وإحساساً بالأصالة.
· الخرسانة المطعمة بالصدف: أرضيات المبنى مصنوعة من الخرسانة البيضاء الممزوجة بأصداف بحرية، في إشارة مباشرة إلى الهوية الساحلية لبروغريسو.
· خشب الأرز الدافئ والفولاذ المؤكسد: يضيف الخشب دفئاً وعضوية، بينما يقدم الفولاذ المؤكسد لمسة صناعية متينة تتناغم مع طابع مدينة الميناء.
العتبة الانتقالية: من الزقاق الضيق إلى الفناء الهادئ
تجربة الدخول إلى المنزل هي رحلة مدروسة. لا يوجد باب تقليدي مباشر على الشارع، بل زقاق ضيق للمشاة يقود الزائر إلى ساحة فناء داخلية. يعمل هذا الفناء كـ “القلب النابض” للمشروع، حيث ينظم الحركة بين:
· الوحدة السكنية السفلية.
· الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي.
· منطقة الخدمات.
هذا التصميم يخلق لحظة انتقالية تهدئ الزائر وتفصله عن ضجيج الشارع، وتعديه لاستقبال جو الهدوء داخل المنزل.
الوحدة السفلية: العيش في أحضان الفناء والنباتات
تم تصميم الوحدة الأرضية لتعيش نحو الداخل والخارج في وقت واحد. تحتوي على حديقة خاصة تضم بركة مائية ضحلة وحديقة رملية مغروسة بالنباتات الساحلية المحلية. التصميم الداخلي مفتوح ومتدفق، حيث يتم تعريف المساحات (المعيشة، الطعام، النوم) من خلال تغييرات دقيقة في مستويات الأرضية، وليس بالجدران التقليدية، مما يعزز الانسيابية البصرية والمكانية. تحتوي هذه الوحدة على مطبخ مفتوح، منطقة لتناول الطعام، غرفة نوم، وحمام.


الوحدة العلوية: احتضان الأفق البحري
يؤدي درج متواصل إلى الوحدة العلوية، والتي تحتوي على غرفة نوم رئيسية موجهة بالكامل نحو البحر. نافذة كبيرة مع شرفة تحيط بالإطار البصري، محولة المنظر البحري إلى لوحة طبيعية ديناميكية تكون جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية داخل الغرفة. من الناحية البيئية، تم وضع كتلة الحمام والدرج على الجانب الغربي ليعملا كـ حاجز حراري طبيعي، يحمي المساحات الداخلية من حرارة شمس الغروب في مناخ يوكاتان الحار.
الختام على السطح: تاج المشروع وإطلالة بانورامية
تتوج التجربة في تراس السطح، وهو مساحة مفتوحة مصممة للاسترخاء والتجمعات. يحتوي على مسبح صغير ومنطقة للشواء، مما يجعله امتداداً طبيعياً للمساحات المعيشية. من هنا، تظهر الإطلالات البانورامية التي تقدم مشاهد للشاطئ والرصيف البحري والمنارة، مجسدة ببراعة اللحظة التي تلتقي فيها الحياة الحضرية في بروغريسو بساحلها الساحر.
الاستدامة والسياق: عمارة متجذرة وذكية
يتجلى احترام المشروع لسياقه في أكثر من نقطة:
· إعادة استخدام الهيكل القائم: مما قلل من النفايات والمواد الجديدة.
· التهوية والإضاءة الطبيعية: الاعتماد على الفناء والفتحات الاستراتيجية لتحقيق الراحة الحرارية وتقليل استهلاك الطاقة.
· المواد المحلية: مثل الحجر المحلي والأصداف، والتي تقلل من البصمة الكربونية للنقل.


خاتمة: دروس من يوكاتان في العمارة المصغرة
كاسا دي بويرتو هو أكثر من مجرد منزل صغير؛ إنه بيان معماري. على مساحة إجمالية لا تزيد عن 95 متراً مربعاً، يقدم المشروع دروساً ثمينة في كيفية تحقيق التوازن بين:
· القديم والجديد من خلال المواد.
· الخاص والمشترك من خلال المرونة الوظيفية.
· الحضري والطبيعي من خلال العلاقة مع الموقع.
إنه يثبت أن جودة الحياة لا تقاس بالمساحات الواسعة، بل بالذكاء في التصميم، والاحترام للسياق، والقدرة على خلق تجربة معيشية غنية ومُلهمة.


✦ رؤية تحريرية من ArchUp
يتناول المشروع إشكالية توفير سكن مرن على قطعة أرض حضرية ضيقة في سياق ساحلي. من الناحية المعمارية، يفرض التوزيع الرأسي للوحدات السكنية توزيعاً هرمياً للحركة، حيث يصبح الوصول إلى الوحدة العلوية مرتبطاً بعبور إجباري عبر جميع المستويات، مما قد يخلق إحساساً بالفصل الوظيفي بين المساحات. الاعتماد الأساسي على فناء مركزي واحد لتوفير التهوية والإضاءة للوحدة السفلية قد يحد من فعالية التهوية العرضية في بعض الأجزاء، لا سيما تلك البعيدة عن الفتحات المواجهة للفناء. يؤدي دمج الكتلة الصلبة للدرج والحمام في الجانب الغربي إلى خلق حاجز حراري، لكنه في المقابل يستهلك جزءاً من مساحة الطابق العلوي التي كان من الممكن تخصيصها لمساحات معيشية إضافية موجهة نحو الأفق. مع ذلك، يحقق التصميم كفاءة في استغلال المقطع الرأسي للأرض، مما يوفر إطلالة بحرية مباشرة للوحدة العلوية كانت ستغيب في أي مخطط أفقي تقليدي لنفس المساحة.
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.