ليس كل عميل جدير بمشروعه: عن العمارة، الغفلة، وسعر لا يُقاس بالمتر
✧
في ظهيرة اعتيادية من هذا الأسبوع، كنت أتابع بصمت جلسة نقاش في المكتب بين رئيس التصميم لدينا — رجل له من الخبرة ما يكفي لتمييز جودة مشروع من نبرة صوت العميل — وبين أحد المتصلين من شركة تطوير عقاري. السؤال الظاهري بسيط: “كم يكلف المتر تصميمًا؟”. لكن خلف هذا السؤال، يختبئ جهل كامل، بل وتقمص مزيف لدور لا يُتقن.
السائل، على الجانب الآخر من الهاتف، بدأ يخلط بين أنواع الأنظمة الإنشائية، ثم راح يتكلم عن التكييف وكأنه يخوض نقاشًا معماريًا متقدمًا. رئيس التصميم ابتسم، ورفع حاجبه كمن سمع هذه المعزوفة من قبل، مرارًا. ثم قال بهدوء: “أخي الكريم، نحن مكتب تصميم معماري، لسنا شركة مقاولات. أنت ما تتحدث عنه لا علاقة له بالبداية، بل بالنهاية.”
هذا المشهد يتكرر كثيرًا. ومع الوقت، أصبح بوسعنا، من أول رسالة إيميل، أن نعرف من هو العميل الجاد، ومن هو “المُسلكاتي”.
المُسلكاتي هو ذاك الذي يطلب عرض سعر لمجرد أن يشعر أنه في مرحلة عمل. لا يملك رؤية، ولا فهمًا للعمارة، لكنه يجيد الحديث عن عدد المواقف، والـ HVAC، وعدد غرف النوم. أسئلته مكررة، منسوخة من عروض سابقة، مليئة بمصطلحات مسروقة من الاستشاري الإنشائي، لكنه لا يفقه منها إلا ما يجعله يبدو “فاهمًا”.
وفي الحقيقة، هو ليس “فاهمًا”، بل يظن أن العمارة مثل السباكة: قطعة تُركّب وتنتهي، وعرض يُقارَن، وأرخص سعر يفوز.
لكن هذه ليست عمارة.
ستيف جوبز لم يطلب عرض سعر
دعني أذكّرك بما فعله ستيف جوبز حين قرر أن يبني مقر شركة أبل في كوبرتينو. لم يُرسل استبيانًا إلى عشرة مكاتب. لم يطلب جدول أسعار. بل دعا نورمان فوستر إلى منزله، وجلس معه على العشاء، ثم قال له: “أريد أن تصمم لي مبنى لا يُنسى”.
ما فعله جوبز هو أنه تعامل مع المعماري كشريك في الرؤية، لا كمُقاول في كتيّب العروض.
وفي المقابل، فوستر لم يُرسل كتالوج خيارات. بل عاد، وبدأ يخيط المبنى كما يخاط الخاتم على مقاس يد العبقري.
هذه ليست حكاية رفاهية. إنها حكاية فهم. من يعرف ما هي العمارة، يعرف أن تصميم المشروع لا يُقاس بالمتر، بل بالفكرة، بالبصمة، بالأثر، وبالوقت الذي يضعه المعماري من حياته في رسم كل تفصيلة.
من هو الأضعف في الدائرة؟
المدهش أن بعض العملاء يعتقدون أنهم أقوياء لأنهم “يملكون المشروع”، أو لأنهم “يطوّرون العقار”. لكن الحقيقة، التي لا يريد أحد قولها صراحة: أن بعضهم هو الحلقة الأضعف، والأغبى أحيانًا، في هذه الدائرة.
السبب؟ لأنهم يفتقرون إلى أساسيات التفكير المعماري، ويبحثون عن اختزال المشروع في “كم يكلف”، و”كم فيه شقة”، و”كيف أُسَوّق له”، متجاهلين أن المشروع الذي لا يُصمَّم بروح، يُدفن قبل أن يُبنى.
ولأننا في منطقة ناشئة عمرانيًا، مثل الخليج، حيث طلبات الإسكان تتزايد، والوتيرة الاستثمارية متسارعة، يزداد هذا النوع من العملاء.
لكن هل يُلامون؟
لا.
هم جزء من منظومة أكبر تُربّي السوق على السرعة والمنافسة لا على العمق والمعنى.
لكن هل نستسلم لذلك؟
في ArchUp، وفي مكاتبنا، لا نعتقد ذلك.
لماذا نحن نختار عملاءنا؟
في تجربتنا، العميل الجيد لا يسأل: “كم تكلفة المتر؟”، بل يسأل: “ما الذي يمكن أن يضيفه التصميم لهذا الحي؟”.
هو لا يأتي ليختبر المكتب، بل لأن لديه إيمانًا أن المشروع يستحق، وأن التصميم ليس ترفًا، بل ضرورة.
بل إن بعض المشاريع لا تستحق أن تُصمم أصلًا إلا إذا جاء من يدرك حقيقتها.
والمعماري الحقيقي لا يقبل كل عرض، ولا يسعى خلف كل فرصة، لأنه يعرف أن توقيعه على المشروع هو جزء من تاريخه، لا مجرد تسليم مفتاح.
✦ رؤى تحريرية من ArchUp
يتحدى هذا التأمل الاختلال الضمني بين طموح العميل واحترام التصميم. فبينما يُشيد بالعملاء المتميزين الذين يفهمون العملية المعمارية، يكشف في الوقت نفسه كيف يُقلل الكثيرون من قيمتها، مُختزلين العمارة إلى خدمة لا رؤية. ينجح المقال في كشف إحباطات العديد من المصممين: عدم التوافق بين التوقعات والتقدير.
ومع ذلك، كان من الممكن أن يذهب أبعد من ذلك باستكشاف كيفية تأثير هذا التفاوت على الاستدامة طويلة الأمد والجودة الثقافية. فالعمارة المبنية دون ثقة متبادلة غالبًا ما تؤدي إلى هدر الموارد والطاقة والإمكانات البشرية. ومع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي والأنظمة المعيارية والأزمات العالمية لأخلاقيات التصميم، فإن المستقبل ملكٌ للمشاريع التي ينهض فيها كلٌ من العميل والمهندس المعماري معًا. الاحترام ليس مجرد مجاملة؛ إنه شرطٌ لمساحات هادفة ودائمة. وقد تكون إعادة بناء هذه الثقة هي الفعل الأكثر استدامة على الإطلاق.
خاتمة: ليست دعوة للغرور، بل دعوة للفهم
هذه ليست صرخة نُخبويّة، بل تذكير بأن العمارة لا تُقاس بالـ”Excel Sheet”.
إنما تُقاس بالخيال، وبالعلاقة الصادقة بين من يبني ومن يصمم.
ومن لا يفهم هذا… فربما لم يكن يومًا جديرًا بمشروعه.