Hands holding a smartphone showing various apps including TikTok in a close-up view.

هل أصبحنا نصمّم كما نشاهد؟

Home » الأخبار » هل أصبحنا نصمّم كما نشاهد؟

تأثير المقاطع القصيرة على العمارة واتخاذ القرار المعرفي
بقلم رئيس التحرير – ArchUp

في دراسة حديثة نشرتها مجلة NeuroImage العلمية الصادرة من هولندا، كشف البروفيسور “كيانغ وانغ” وزملاؤه عن نتائج مقلقة تتعلق بتأثير إدمان المقاطع القصيرة على الدماغ البشري. بحسب نتائج الدراسة، فإن الأشخاص الذين يدمنون مشاهدة الفيديوهات السريعة على منصات مثل TikTok وInstagram، يبدون ضعفًا واضحًا في القدرة على اتخاذ القرارات العقلانية، خاصة ما يتعلق بفهم العواقب والخسائر المالية. أدمغتهم أصبحت مهيأة لتلقّي المكافآت السريعة فقط، على حساب التفكير الطويل المدى.

لكن السؤال الأعمق هنا:
هل تسللت هذه السلوكيات العصبية الجديدة إلى عالم العمارة والتصميم؟

التصميم تحت ضغط الإبهار اللحظي

المقاطع القصيرة لا تؤثر على النوم والانتباه فقط، بل تخلق بيئة ذهنية تفضّل السرعة على العمق، والسطح على الجوهر. في هذا المناخ المعرفي، لم يعد الغالبية يقرؤون النصوص الطويلة أو ينقبون خلف المفاهيم. بل يُراد لكل شيء أن “يُفهم في 10 ثوانٍ” — حتى العمارة.

بدأنا نلاحظ تحوّلًا تدريجيًا في طريقة تناول المشاريع المعمارية، حيث باتت التصاميم تُحكم من خلال عرض فيديو قصير، أو صورة مشبعة بالألوان على إنستغرام. القرارات التصميمية أحيانًا لا تُبنى على فهم الموقع أو السياق، بل على مدى “قابلية المشروع للانتشار”. وهكذا، كما أشار الباحثون في الدراسة، فإن الدماغ المتكيّف مع المكافآت اللحظية لم يعد يعير اهتمامًا كافيًا للعواقب البعيدة أو المعايير المعمارية الأصيلة.

من الاستدامة إلى الاندفاع

لم يكن غريبًا أن تأتي هذه الدراسة في توقيت نشهد فيه ضغوطًا متزايدة على المعماريين والمصممين لتقديم أعمالهم بمنطق Reels لا Research. فحتى مشاريع التخطيط الحضري، التي تتطلب رؤية شمولية عقودية، قد تُختزل أحيانًا في عرض ترويجي لا يتجاوز 30 ثانية.

وهنا تبرز مشكلة جوهرية: التصميم المعماري الحقيقي مبني على “تأمل”، لا “تصفح”. على زمن طويل، لا لحظة استهلاك. على دراسة ميدانية ومجتمعية، لا تفاعل رقمي فقط.

ArchUp: كتابة ببطء، لأجل الذاكرة الجمعية

في ArchUp، لم يكن خيارنا في تقديم محتوى مكتوب ومنسق بأسلوب موسوعي خيارًا عشوائيًا. نحن نؤمن أن العمارة تستحق أن تُوثّق، لا أن تُستهلك فقط. نعلم أن المستقبل قد يكون للفيديوهات السريعة، وأن المتصفّح يفضل الضغطة والتمرير. لكننا نرى مهمتنا كمؤرشفين وموثقين قبل أن نكون ناشرين.

نحن نكتب لأننا نعلم أن كثيرًا مما يُبنى اليوم قد لا يُفهم إلا غدًا. نكتب لأن المحتوى المكتوب — والموثوق — سيبقى رابطًا أصليًا لكل من بحث عن مصمم، عن مشروع، عن فكرة أو مادة. نكتب لأن العمارة ليست فقط صورًا مع هاشتاقات، بل سردًا بشريًا عن المكان والزمان والهوية.

هل نُدين المقاطع القصيرة؟ لا.

لا يمكن تجاهل أهمية هذه الوسائط في الانتشار والتعليم والتجريب. لكنها أداة، لا بد من وعي استخدامها. فنحن لا نهاجمها، بل ننتقد طريقة تلقينا لها دون وعي. المشكلة ليست في الفيديو القصير، بل في عقل اعتاد أن لا ينتظر شيئًا أطول. عقل نسي أن العمارة تأخذ سنوات لا دقائق، وأن الفكرة العظيمة لا تُصاغ بحركة إصبع.

بين العمارة والتلقي: دعونا نُبطئ قليلًا

إن العالم يتحرك بسرعة. ولكن الأصالة لا تأتي من العجلة. وأمام تكدّس المحتوى، وتضخم منصات التسويق، يظل دور المنصات المحايدة — مثل ArchUp — أن تُذكّر، أن توثق، أن تحاور، أن تفتح نافذة نحو فكر معماري حر ومستقل.

✦ رؤى تحريرية من ArchUp

تُجسّد هذه المقالة لحظةً ثقافيةً تحوّلت فيها المشاهدة إلى تصميم – وهو تحوّلٌ غذّاه المحتوى الفوري، ومحفزات الذكاء الاصطناعي، وجماليات التمرير السريع. لا يقتصر السؤال على ما إذا كنا نُصمّم أثناء المشاهدة، بل يشمل أيضًا ما نغفل عنه. في حين أن المقالة تنتقد بنجاح التقليد السلبي للتصميم، إلا أنه كان من الممكن أن تتناول بوضوحٍ أكبر كيف يُشوّه هذا التوجه مفهوم التأليف ويُختزل العمارة إلى محتوى.

مع اقترابنا من عام ٢٠٣٠، يُواجه المجال المعماري خطرَ أن تُشكّله الخوارزميات وصور المؤثرين أكثر من بيانات المناخ، أو احتياجات المجتمع، أو أخلاقيات المواد. إذا استمرت الثقافة البصرية في تجاوز التفكير المكاني، فقد تُصبح العمارة أكثر زائلةً منها مستدامةً – مُصمّمةً لتواكب الموضة، لا لتدوم. يكمن التحدي الآن في إعادة تأكيد العمق، والمحلية، والقصد النقدي في مهنةٍ مُشبعةٍ بوسائل الإعلام، والتي غالبًا ما تُفضّل ما هو سريع الانتشار على ما هو حيوي.

نحن نكتب ببطء، لا لأننا خارج الزمن، بل لأننا نعرف أن هذا الزمن يحتاج إلى من يتأمل فيه بوعي.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *