مشروع Anjung يعيد قراءة العلاقة بين التشكيل الكتلي والبنية الفراغية والتكيف المناخي
تفكيك الكتلة وعلاقتها بالبنية الفراغية
يتجلى التشكيل المعماري لـمشروع Anjung من خلال مقاربة تجريبية تعيد مساءلة العلاقة بين الكتلة المعمارية والمكان. يظهر المشروع كبنيتين وظيفيتين واضحتين: منزل للانسحاب واستوديو للعمل، يتموضعان استجابةً مباشرة لخصائص الموقع الطبوغرافية وسيناريو الحركة الطبيعية المحيطة.
يرتبط القرار التموضعي بالمنسوب المنخفض للموقع وارتفاع منسوب المياه الجوفية واحتمالية الفيضانات الموسمية، ما دفع إلى تموضع المنزل على الحافة الشرقية الأعلى من الأرض والقريبة من مسار الوصول الرئيسي. هذا التوجيه لم يقتصر على معالجة تحديات الموقع البيئية، بل أعاد صياغة تجربة الدخول، بحيث يتحول الانتقال من الخارج إلى الداخل إلى مسار تدريجي يكشف الحديقة الخلفية عبر تدرج بصري وحسي محسوب.
التجربة الإنسانية والتفاعل الحيوي مع البيئة
تتأسس التجربة المكانية على تفاعل مباشر بين المستخدم والعناصر الطبيعية القائمة في الموقع. يحافظ المشروع على الغطاء النباتي الأصلي، بما في ذلك أشجار نخيل الزيت والأشجار المحلية وغابات الخيزران، بوصفه جزءاً بنيوياً من العمارة المحلية وليس مجرد خلفية طبيعية.
تنتج هذه المنظومة النباتية ظلالاً متغيرة ديناميكياً تتقاطع مع الأسطح المعمارية خلال اليوم، ما يعيد تشكيل إدراك المادة والفراغ باستمرار. كما يسهم تحرك الهواء داخل غابات الخيزران وانفتاح الفراغات الداخلية نحو الحديقة في تعزيز إحساس حسّي متصل بالرطوبة والظل والحركة، مما يدمج المبنى ضمن نظام بيئي حي ويحوّله إلى وسيط تفاعل بين الإنسان والمناخ المحيط.
| البند | التفاصيل |
|---|---|
| المعماريون | Eleena Jamil Architect |
| المساحة | 565 م² |
| السنة | 2026 |
| التصوير الفوتوغرافي | Zakee Man |
| الفئة | مساكن، مكاتب |
| المدينة | سيلانجور |
| الدولة | ماليزيا |


المساحات الانتقالية وإعادة صياغة العمارة المحلية
يعيد المشروع قراءة مفهوم الفراغ الانتقالي في العمارة المحلية المعروف بـ”Anjung” بوصفه بنية وسيطة تتجاوز كونه مساحة ملحقة. يتحول هذا العنصر إلى محور تنظيمي يربط بين الداخل والخارج في كل من المنزل والاستوديو.
يعتمد التصميم على توسيع نطاق الفراغات شبه الخارجية عبر أسطح مظللة وبروزات إنشائية للسقف، ما يؤدي إلى تفكيك الحدود الصارمة بين الداخل والخارج. ينتج عن ذلك نمط عيش يعتمد على التدرج المكاني بدل الفصل الثنائي، حيث تتداخل الحركة اليومية مع البيئة الطبيعية في تجربة فراغية مستمرة تسمح بتدفق الهواء والتواصل البصري الدائم مع المحيط.
الاستدامة المادية والأثر الفراغي للكتل
يستكشف المشروع استراتيجيات تصميم مناخي تعتمد على توظيف مواد محلية منخفضة الأثر الكربوني، مع الحفاظ على جودة التجربة المكانية. تُستخدم سيقان الخيزران في حالتها الطبيعية لتشكيل هيكل السقف، ما يمنح الفراغ طابعاً عضوياً يتفاعل مع الضوء وحركة الظلال.
يتكامل هذا النظام مع جدران من قوالب التربة المضغوطة (CEBs) التي توفر كتلة حرارية وبصرية واضحة، بينما تُستخدم مواد تغليف غذائية معاد تدويرها في عناصر التسقيف لتعزيز البعد البيئي للمشروع. يخلق هذا التراكب بين المواد نظاماً إنشائياً متوازناً يجمع بين الخفة والكتلة، وبين الأداء المناخي والتعبير المادي.


التحليل الفراغي وهندسة التشكيل الكتلي
يتبنى تصميم المنزل تنظيماً قائماً على المربع الهندسي، حيث تتوزع الوظائف حول الفناء المركزي يمثل النواة المناخية والبصرية للمبنى. يتم الوصول إليه عبر شرفة انتقالية تعزز تدرج الخصوصية بين الخارج والداخل.
في الجهة الغربية، تمتد شرفة منخفضة بمقدار 1.5 متر وفقاً للطبوغرافيا الموقع، لتتحول إلى فضاء اجتماعي مفتوح يرتبط مباشرة بالحديقة ويعيد تأكيد العلاقة مع الأرض. تعتمد الفراغات الداخلية على تنظيم أحادي الاتجاه بفتحات واسعة نحو الفناء والحديقة، مما يعزز الإضاءة الطبيعية والتهوية المتقاطعة.
يتشكل السقف من جملونات خيزران أحادية الميل موجهة نحو الفناء لتصريف مياه الأمطار إلى خزانات تجميع محددة، بينما ترتكز تراسات المبنى على أعمدة خيزران موزعة بإيقاع يستحضر كثافة الغطاء النباتي المحيط ويحقق اندماجاً بين البنية الإنشائية والطبيعة.
التفاعل السينوغرافي وحركية الضوء في الاستوديو
يتبنى الاستوديو تنظيماً خطياً ينقسم إلى كتلة للعمل وأخرى للاجتماعات والورشة، تربطهما حركة ممر شمالي مظلل ناتج عن بروزات السقف المنخفضة.
يُترك هيكل الخيزران مكشوفاً بالكامل، ما يبرز منطق التكوين الإنشائي ويحوّل التفاصيل البنيوية إلى جزء من التجربة البصرية. تعتمد الإضاءة على نوافذ علوية شمالية (clerestory) وواجهات زجاجية منزلقة جنوبية، ما يخلق توازناً بين الضوء المنتشر والمباشر داخل الفراغ.
تتكامل المنظومة البيئية عبر فتحات تهوية علوية تسمح بخروج الهواء الساخن وتعزيز التهوية المتقاطعة، ما يحافظ على استقرار حراري طبيعي ويجعل الفراغ أكثر استجابة للتغيرات المناخية اليومية.


التناص المعماري وإعادة توجيه الممارسات الإنشائية
يستند التصميم في الاستوديو إلى امتداد معرفي لتجربة سابقة طورها المكتب في مشروع Bamboo Classroom في الفلبين، حيث يعاد توظيف عناصر مثل بروزات الأسقف العميقة والنوافذ العلوية المزودة بتهوية طبيعية (clerestory) كأدوات تجمع بين الأداء المناخي والتعبير الفراغي. لا تُعامل هذه العناصر كحلول تقنية فقط، بل كجزء من لغة تشكيلية تستجيب مباشرة لخصوصية السياق المناخي والمكاني.
في سياق محلي يعتمد بدرجة كبيرة على مواد إنشائية مرتفعة الأثر الكربوني مثل الخرسانة المسلحة والطوب المحروق والبلاط الخرساني، يقدم المشروع مقاربة بديلة تعيد توجيه الجهد الإنشائي نحو أنظمة بناء منخفضة الطاقة ضمن نقاشات العمارة البيئية. يقوم هذا التوجه على إعادة التفكير في عملية البناء نفسها بوصفها ممارسة واعية بيئياً، تهدف إلى تقليل الانبعاثات المرتبطة بسلاسل الإنتاج التقليدية.
مادية قوالب التربة والتكامل الإنشائي مع الخيزران
تُستخدم الخيزران وقوالب التربة المضغوطة (CEBs) المصنوعة من تربة اللاتيريت المحلية كحل إنشائي مستدام، يتم إنتاجه عبر الكبس والتجفيف الطبيعي مع نسب محدودة من الأسمنت، ما يقلل من البصمة الكربونية مقارنة بالمواد المحروقة.
تعمل هذه الجدران كعناصر حاملة للأحمال، ما يقلل الاعتماد على الهياكل الخرسانية التقليدية، كما يتيح تركها دون تشطيب نهائي قراءة مباشرة لمادة التربة وخصائصها البصرية والحرارية ضمن سياق قوالب التربة المضغوطة. يتكامل هذا النظام مع كمرات خرسانية محيطية تشكل قاعدة تثبيت لجملونات الخيزران، حيث ترتبط العناصر الخشبية بالخرسانة عبر وصلات معدنية مصممة لتحمل الإجهادات الإنشائية وقوى الرياح، ما يحقق توازناً بين مرونة الخيزران وصلابة النظام الحامل.

التفاصيل التكتونية واللغة المادية للأسطح والأثاث
تنعكس دقة الحلول الإنشائية في معالجة نقاط التقاء المواد، حيث تُثبت نهايات أعمدة الخيزران داخل حوامل فولاذية تحيط بها عند الشرفات والتراسات، تعمل كطبقة حماية تمنع الرطوبة وتضمن استمرارية الاتصال مع البلاطة الأرضية.
يُستخدم الخيزران في حالته الطبيعية دون معالجة صناعية مكثفة، بما يحافظ على بصمته المادية ويقلل من أثره البيئي. وعلى مستوى الأسطح الداخلية، تُستخدم ألواح مصنوعة من عبوات غذائية معاد تدويرها، تُضغط حرارياً لتنتج خامة ذات ملمس بصري متدرج، ما يضيف طبقة حسية مرتبطة بإدراك الضوء واللون داخل الفراغ.
ويمتد هذا المنطق المادي إلى الأثاث، حيث يُعاد استخدام الأخشاب المستخرجة من الموقع في تصنيع طاولات ومقاعد مدعومة بعناصر من الخيزران المحلي، إضافة إلى طاولات العمل المصنوعة من خشب المطاط، ما يعزز استمرارية المادة داخل دورة استخدام مغلقة.
الوظيفة الفراغية وسيناريوهات التشغيل المستقبلية
تتوزع الأنشطة داخل المشروع وفق نموذج مزدوج يجمع بين الاستخدام الخاص والإنتاجي. يعمل المنزل حالياً كمساحة سكنية واستضافة محدودة للعائلة والأصدقاء، مع إمكانية تطويره مستقبلاً ليصبح منصة للإقامات القصيرة وورش العمل والفعاليات المعمارية، بما يعزز طبيعته كمساحة تعليمية وتجريبية ضمن مشاريع أنجونج.
في المقابل، يعمل الاستوديو كفراغ إنتاجي نشط يجمع بين العمل والعرض والتفاعل مع الزوار، ما يحول المشروع من بنية سكنية تقليدية إلى نظام معماري مرن يعكس كيفية تكيّف العمارة مع السياق المحلي واستجابتها المباشرة للبيئة المادية والمناخية.

✦ تحليل ArchUp التحريري
يُقدَّم مشروع أنجونج باعتباره إعادة ضبط للعلاقة بين الكتلة السكنية والإنتاجية ضمن تضاريس حساسة للفيضانات، حيث تُستخدم استجابة الموقع لتشكيل توزيع ثنائي للوظائف على أرض مرتفعة. يتحول مفهوم العتبة إلى جهاز مناخي وتنظيمي، يوظف الخيزران وقوالب التربة المضغوطة والمواد المعاد تدويرها ضمن نظام فراغي مسامي يندرج ضمن نقاشات مواد البناء والتصميمات المعاصرة في العمارة البيئية وإعادة تعريف الأداء المكاني.
لكن القراءة المقابلة تكشف أن هذا الخطاب المادي المثالي يبالغ في افتراض قابلية التكرار ضمن سياق العمارة. تعتمد أنظمة الخيزران والتربة المضغوطة على مهارات حرفية وصيانة مناخية لا يمكن تعميمها بسهولة، كما أن الأثر الكربوني ليس ثابتاً بل مرتبط بنسبة الأسمنت وسلاسل النقل. عملياً يتحول المشروع إلى نموذج تجريبي محدود أكثر من كونه بنية قابلة للتوسع ضمن إعادة تقييم واقعية التطبيق العملي.







