المنارات المعاصرة: تحوّلها من أدوات ملاحية إلى أيقونات معمارية مستدامة
لطالما وقفت المنارات كرموز ثابتة في الوعي الجمعي، تمثل ملاذاً للأمان في عواصف البحار، وشاهداً على عزلة الأماكن النائية، ومصدر إلهام للرومانسية في أدب الرحلات. ومع التطور التكنولوجي المذهل، خاصة أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS)، أصبح دورها الوظيفي التقليدي على حافة الانقراض. هذا التحوّل أدى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام المهندسين المعماريين والمصممين لإعادة تخيل هذه الهياكل، ليس كآثار من الماضي، بل ككائنات حية تنبض بالوظائف الجديدة. تشهد العمارة المعاصرة اليوم تحول المنارات من أبراج ملاحية منعزلة إلى محاور مدنية نابضة، ومنحوتات أيقونية، ومنشآت فنية مؤقتة، ومحطات للطاقة المتجددة، ومساحات إبداعية للفنانين.
إعادة التعريف: ما هي المنارة في العصر الحديث؟
لم يعد التعريف الكلاسيكي للمنارة كبرجٍ يحوي ضوءاً يرشد السفن كافياً. المنارة المعاصرة هي مبنى يعمل في المنطقة الحدودية بين الأرض والماء، غالباً ما يكون وسيطاً بين العنصرين. وظيفتها الجوهرية لم تعد تقتصر على الإرشاد، بل إلى جعل غير المرئي مرئياً – سواء كان ذلك من خلال كشف البيانات البيئية، أو إبراز الهوية الثقافية للمكان، أو خلق تجارب بصرية وحسية جديدة. لقد تحولت من بنية تحتية وظيفية بحتة إلى منصة للتعبير الفني والبيئي والتكنولوجي.
نماذج رائدة: ستة مشاريع تعيد تشكيل مفهوم المنارة
تقدم المشاريع الستة التالية نماذج عملية ملهمة لهذا التحول، تتراوح بين مشاريع قيد التنفيذ وتصاميم مفاهيمية طموحة، كل منها يستكشف بُعداً مختلفاً من الأبعاد المتعددة للمنارة الجديدة.
- برج الشمس: منارة ثقافية على ضفاف يانتاي
· التصميم: Open Architecture
· المكان: يانتاي، الصين
· الحالة: متأهل نهائياً لجائزة A+ Awards 2025
لا يكتفي “برج الشمس” بمجرد الاستلهام الشكلي من المنارات، بل يعيد إنتاج فكرتها الجوهرية كـ نقطة جذب وإرشاد، ولكن على مستوى ثقافي حضري. يقع هذا الصرح في منطقة تنمية يانتاي ييدا، متخذاً موقعاً استراتيجياً على العتبة الفاصلة بين اليابسة والبحر. التصميم المقطوع إلى نصفين ليس مجرد حركة جريئة فحسب، بل هو عمل وظيفي يسمح لأشعة الشمس بالمرور والعبور، ويكشف للعيان عن الهيكل الداخلي النابض بالحياة. يدمج المبنى بين مسرح في الهواء الطلق، ومساحات للمعارض الرقمية، ومكتبة، ومقهى، محولاً فكرة المنارة من مكان للمراقبة إلى وجهة ثقافية نشطة تحاور الطبيعة وتثرى الحياة الحضرية.

- منارة التطور: رؤية مفاهيمية للمنارة المستقلة
· التصميم: Archi Siminy Architecture
· المكان: تصميم مفاهيمي
يتحدى هذا المشروع المفاهيمي فكرة المنارة من جذورها، بحجة أن وظيفتها التقليدية قد شاخت. بدلاً من ذلك، يستكشف كيف يمكن لهذا التصنيف المعماري الفريد أن يتحول إلى مشروع متكامل قائم على الذات. يستفيد التصميم من الخصائص الجوهرية للمنارة – موقعها الساحلي، ارتفاعها، وعزلتها النسبية – ويُعيد توجيهها لتصبح وجهة للسياحة البيئية. الهيكل المعدني لا يضم فقط وحدات فندقية، بل هو محطة طاقة مستقلة تعتمد على توربينات الرياح، مما يخلق نموذجاً للبنية التحتية السياحية المستدامة التي تدمج الطاقة المتجددة والاتصالات في نسيج واحد

- أشرعة الضوء: المنارة كمنحوتة تفاعلية مؤقتة
· التصميم: Söhne & Partner Architects
· المكان: ميلشتات، النمسا
يقدم هذا المشروع تفسيراً شاعرياً ومؤقتاً لدور المنارة. في معرض ولاية النمسا على بحيرة ميلستاتر، حلّت سبعة أشرعة ضوئية مكان برج حجري تقليدي. كل شراع يعمل كمنارة توجيهية رمزية، أو “فضاء ضوئي”، يرشد الزوار عبر أرجاء المعرض. لكن هذه المنارات الجديدة حية وتفاعلية؛ حيث تستجيب إضاءتها لحركة الناس من حولها، وتتغير ألوانها مع تقلبات درجة الحرارة، محولة الفضاء المحيط إلى لوحة ديناميكية متغيرة، مما يعيد تعريف فكرة الإرشاد على أنها تجربة حسية وجمالية.

- برج المراقبة: المنارة كمنشأة ترفيهية مجتمعية
· التصميم: Rysy Architekci
· المكان: وارسو، بولندا
يُظهر هذا المشروع كيف يمكن للمنارة أن تندمج في نسيج المدينة الداخلي وتصبح مركزاً للنشاط المجتمعي. يقع البرج في بحيرة في وارسو، وهو هيكل فولاذي خفيف الوزن يجمع بين وظيفة برج المراقبة التقليدية ومنشأة الترفيه النشط من خلال دمج جدار تسلق في تصميمه. بذلك، يتحول من مجرد معلم سلبي يُنظر إليه إلى بنية تحتية ترفيهية يشغلها المجتمع. في الليل، يضيء البرج كعلامة عمودية متوهجة، مستعيداً دور المنارة الضوئي ولكن في سياق ترفيهي، موضحاً علاقة جديدة بين الماء والمنظر الطبيعي الحضري.

- مشروع منارة أليوريون: حوار بين الأصالة والحداثة
· التصميم: Bo.M Design Studio – Vasilis Mylonas
· المكان: فولوس، اليونان
يقدم هذا الاقتراح لمنارة ميناء فولوس حلقة وصل بين أقدم تقاليد السلامة البحرية وأحدث المفاهيم المعمارية. التصميم مستوحى من “أليوريون” زركسيس، أحد أهلة الملاحة البحرية في التاريخ. يعيد التصميم تفسير فكرة الكتل الحجرية المكدسة في قالب حديث باستخدام مكعبات خرسانية مدورة. الهيكل الذي يبلغ ارتفاعه 14.25 متراً ليس مجرد علامة بحرية، بل هو منارة ثقافة عامة؛ حيث يدعو الدرج الداخلي الزوار لصعودها وتجربة مناظر متغيرة لخليج فولوس، محولاً النزهة على الواجهة البحرية إلى مغامرة بصرية وثقافية، وممثلاً لحافة المدينة برمز حضاري معاصر.

- فندق توربين المنارة: إعادة تدوير البنى التحتية القديمة
· التصميم: Margot Krasojević Architecture
· المكان: جيجو، كوريا الجنوبية
يقدم هذا المشروع الطموح أحد أكثر الحلول جذرية، حيث لا يكتفي بإعادة تعريف المنارة وظيفياً، بل يقوم بإعادة استخدام وتدوير بنية تحتية قائمة وهي منصة حفر نفط. يخلق التصميم كائناً هجيناً بين البنية التحتية للطاقة المتجددة و الضيافة الفاخرة. يشبه الهيكل سفينة، مكوناً من مادة ETFE المتطورة المقاومة للظروف القاسية، ويعمل بثلاثة توربينات رياح تستغل طاقة الأمواج. هذا المشروع لا يقدم فقط سكناً فندقياً فريداً، بل يضع نفسه كمنصة بحثية حية، حيث يشرك الضيوف في تجربة الاستدامة والتقنيات المتجددة، مقترحاً أن الهياكل التي شاخت وظائفها يمكن إعادة تعريفها بشكل جذري بدلاً من هدمها أو التخلي عنها.

الخلاصة: مستقبل المنارات كمنصات تجريبية على حافة العالم
جميع هذه المشاريع، مجتمعة، تشكل بياناً قوياً بمستقبل هذه المنشآت. لقد تجاوزت المنارات دورها كرموز ثابتة للماضي، لتصبح منصات تجريبية حية على الحافة بين العالمين البري والبحري. المستقبل يلوح بمنارات ليست فقط للإرشاد، بل للتعلم، واللعب، والعيش، والإبداع، والحفاظ على البيئة. لقد نجحت العمارة في تحويل رمز العزلة إلى جسر للتواصل المجتمعي والبيئي، أن أي تصنيف معماري، مهما كان تقليدياً، قادر على التطور والنمو ليلائم احتياجات العصر.
✦ رؤية تحريرية من ArchUp
يتتبع المقال التحول الوظيفي والرمزي للمنارة من برج ملاحي منعزل إلى منصة متعددة الأغراض تدمج الخدمات المجتمعية والبيئية. يظهر تحليل المشاريع المقدمة تركيزاً على القيمة الرمزية والبيئية التي تطغى أحياناً على الوضوح الوظيفي المباشر للمساحات الداخلية، حيث تؤدي تعددية الاستخدامات إلى عدم وضوح العلاقة بين التصميم والغرض الأساسي للمستخدم النهائي. يعتمد بعض التصاميم على أشكال استثنائية قد تستهلك موارد إنشائية وطاقة تفوق المردود الوظيفي المتوقع، مما يضعف كفاءتها كمشاريع مستدامة على المدى الطويل. ومع ذلك، تنجح هذه المشاريع كمجموعة في تأسيس حوار معماري مع السياق الساحلي، حيث تخلق علاقات بصرية ومادية جديدة بين اليابسة والماء تثري التجربة الحضرية
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.