متحف هاينان للعلوم يدرس العلاقة بين التصور والتنفيذ المعماري في العمارة
من التصور إلى التنفيذ: قراءة في التحول المعماري
عند تغطية متحف هاينان للعلوم في عام 2024، كان المشروع لا يزال في مرحلة التصورات التصميمية. حينها بدت الفكرة أقرب إلى نموذج بصري سينمائي يرتفع فوق الأراضي الرطبة الاستوائية، ما أثار تساؤلات حول إمكانية تنفيذها ضمن منطق البناء الواقعي. اليوم، وبعد اكتمال المتحف وافتتاحه، يظهر أن الناتج العمراني يقترب بشكل كبير من تلك التصورات الأولية دون تغييرات جوهرية في الشكل العام.
الموقع والسياق البنيوي
يقع المتحف عند حافة منتزه ووييوان ريفر الوطني للأراضي الرطبة على الساحل الغربي لمدينة هايكو في مقاطعة هاينان الصينية. وقد صممه ما يانسونغ من مكتب MAD Architects كحالة دراسية مرتبطة مباشرة بسياقها البيئي. يضع هذا الموقع المشروع ضمن علاقة بصرية مستمرة مع المشهد الطبيعي المحيط، حيث تتداخل الكتلة المعمارية مع امتداد المدن الرطبة دون فصل حاد بينها وبين البيئة.
الغلاف الخارجي واللغة الشكلية
يتكوّن الغلاف الخارجي من 843 قطعة من البلاستيك المقوى بالألياف الزجاجية، جرى تجميعها لتشكيل سطح تموجي يرتفع بشكل حلزوني يوحي بحركة صعود الهواء الدافئ. هذا التكوين لا يعمل كاستعارة بصرية فقط، بل يستند إلى فكرة فيزيائية مرتبطة بحركة التيارات الحرارية. كما أن السطح العاكس يتغير تبعًا للإضاءة والطقس، ما يؤدي إلى تغيّر إدراك المبنى بصريًا من لحظة لأخرى دون ثبات شكلي واحد.


التنظيم الداخلي والبنية الحركية
يظهر الطابع الداخلي للمتحف باعتباره الجزء الأكثر تعقيدًا من التجربة المعمارية. يعتمد المبنى على هيكل إنشائي خالٍ من الأعمدة، ما يشكل حلًا إنشائيًا مباشرًا يسمح بفراغات واسعة وغير مقطعة. تبلغ المساحة الإجمالية للمبنى حوالي 46,528 مترًا مربعًا، وهو ما ينعكس على اتساع الحركة الداخلية وإمكانية توزيع الفراغات دون قيود بصرية أو إنشائية واضحة.
مسار الحركة والتجربة المكانية
يتحرك الزوار داخل المبنى عبر منحدر حلزوني يبدأ من القاعة المركزية ويمتد صعودًا عبر خمسة طوابق. تبدأ تجربة المعارض فعليًا من المستوى العلوي، حيث توجد منصة مشاهدة بزاوية 360 درجة تطل على البحر والمدينة في الأسفل. كما تسمح القبة الزجاجية العلوية بدخول الضوء الطبيعي إلى البهو المركزي، ما يعزز وضوح الفراغ ويؤكد طابعه المفتوح والمتدرج بصريًا.
الفكرة المفاهيمية وتصور المتحف
يرتبط هذا التنظيم الداخلي برؤية MAD Architects حول دور متحف العلوم. وفق هذه الرؤية، يُفهم المتحف كفضاء يدمج التعليم مع تصور المستقبل، مع إدخال الطبيعة كعنصر حاضر في التجربة. تاريخيًا، اعتمدت المؤسسات العلمية على لغة معمارية تعكس السلطة والهيبة عبر الكتلة والمواد الثقيلة، بينما يقترح هذا النموذج تقليل حضور الشكل لصالح خلق حالة ذهنية من الفضول والاستعداد. ونتيجة لذلك، يسبق تأثير الفضاء المعماري المحتوى العلمي نفسه، ما يساهم في تشكيل تجربة إدراكية أولية قبل الدخول إلى المعارض.





العلاقة مع الأرض والسياق البيئي
يرتفع المبنى عن سطح الأرض بما يسمح باستمرار المشهد الطبيعي للأراضي الرطبة أسفله دون انقطاع. هذه العلاقة بين الكتلة الإنشائية والموقع تبدو محسوبة وليست نتيجة عرضية، إذ تعمل على تجنب طغيان المبنى على بيئته المحيطة، خصوصًا أن السياق الطبيعي يمثل عنصرًا أساسيًا في تكوين الفكرة المعمارية. عند التواجد أسفل المبنى، يظل سطح الأرض محتفظًا بطبيعته الخضراء والحية، بينما يستقر المبنى بصريًا بخفة نسبية رغم حضوره القوي.
الامتداد المعماري والسياق الزمني
يمثل هذا المشروع ثاني تدخل عام رئيسي لمكتب MAD في هاينان بعد مشروع “Cloudscape of Haikou” الذي افتتح عام 2021، وهو ما أسهم في تكوين امتداد بصري ومعماري على طول ساحل هايكو. ضمن هذا السياق، تظهر هذه المشاريع كجزء من لغة عمرانية متكررة تميل إلى الطابع التجريبي أكثر من النمطي، مع ارتباطها بتحول المدينة ضمن إطار ميناء التجارة الحرة في الصين. بدأ التصميم عام 2020، وتبعته مرحلة التنفيذ في 2021، قبل اكتمال الهيكل الرئيسي في 2023، ما يضع المشروع ضمن دورة زمنية تمتد لخمس سنوات من الفكرة إلى الافتتاح، وهي مدة تعكس انتقال التصور المعماري إلى واقع مبني بشكل مباشر.


✦ تحليل ArchUp التحريري
نقرأ متحف هاينان للعلوم بوصفه ناتجًا لآليات تخصيص رأس المال البلدي وسياسات تطوير البنية التحتية الثقافية ضمن سياق ميناء هاينان للتجارة الحرة. المحرك الأساسي يتمثل في تموضع إقليمي يعتمد على التعليم العلمي وتنشيط القيمة العقارية قرب نطاق الأراضي الرطبة، بينما يفرض سياق الموقع قيودًا تنظيمية مرتبطة بحماية النظام البيئي ورفع الكتلة عن مستوى الأرض وإدارة مخاطر الفيضانات وسلاسل توريد الكسوة المركبة. ينتج عن ذلك حل فراغي يضمن استمرارية الهيدرولوجيا، مع هيكل خالٍ من الأعمدة يضبط كفاءة الحركة. المنحدر الحلزوني يعيد توزيع التدفقات البشرية عبر طبقات البرنامج، وصولًا إلى واجهة مشاهدة. مواد بناء الغلاف الخارجي تعمل كطبقة تكييف بيئي ضمن منطق تموضع السوق الساحلي، ليظهر المبنى كتركيب تفاوضي بين الامتثال البيئي والوظيفة التعليمية وإشارات الاستثمار، مع تقليص حضور المؤلف لصالح منطق النظام.







