مشروع شابتاب: عمارة الشرفات التي تُعيد تعريف العمران في طهران
في نسيج حي القيطارية الحضري الكثيف في طهران، حيث يلتقي الخاص بالعام، يبرز مشروع “شابتاب” ليس مجرد مبنى سكني، بل بيانٌ معماري يستجيب لحاجة إنسانية ملحة. جاء المشروع في لحظة زمنية أضحت فيها الحاجة إلى مساحات وسيطة، وعتبات ناعمة تفصل بين المنزل والمدينة، ملموسة أكثر من أي وقت مضى. هنا، لم يعد الشرفة مجرد فراغ ثانوي يثقب الواجهة، بل تحول إلى القلب النابض للمشروع وروحه التصميمية.
الفلسفة التصميمية: الشرفة كنواة أساسية وليس كملحق
لطالما تم التعامل مع الشرفات في المشاريع السكنية التقليدية على أنها عناصر هامشية، مجرد “فراغات” تُضاف بعد اكتمال التصميم الرئيسي. لكن مشروع شابتاب قلَّب هذه المعادلة رأسًا على عقب. لقد تمت معالجة الشرفة منذ البداية على أنها النواة المركزية التي تشكل هوية المبنى بأكمله. إنها كتلة مستمرة، قوية ومتكاملة، لا تنفصل عن تجربة السكن بل تُشكلها. هذا التحول من الهامش إلى المركز هو ما يمثل جوهر الابتكار في هذا المشروع، حيث أصبحت العتبة بين الداخل والخارج هي المحور الذي تدور حوله كافة القرارات التصميمية.

التخطيط والوحدات السكنية: الخصوصية في قلب الكثافة
يتألف المبنى من عشر وحدات سكنية، موزعة على خمسة طوابق بمعدل شقتين لكل دور. تم تجهيز كل وحدة سكنية بكافة وسائل الراحة الحديثة التي تدعم متطلبات الحياة الحضرية المعاصرة. ومع ذلك، فإن العنصر الأبرز الذي تتمتع به كل شقة هو شرفتها الخاصة. هذه الشرفات لم تُصمم كإضافة جمالية رمزية، بل كامتداد وظيفي حيوي للمساحة الداخلية. تم تقدير مساحتها بعناية لتكون واسعة بما يكفي لاستيعاب مناطق للجلوس واستضافة الضيوف، أو حتى لتناول الطعام في الهواء الطلق، مما يسمح للسكان بالتفاعل مع الضوء المتغير والفصول المختلفة من موقع مريح وخاص.

العناصر المعمارية: الشرفة كـ “طرف صناعي” ذكي
على المستوى الإنشائي والمواد، تدمج الشرفات في مشروع شابتاب بين عناصر قوية وأخرى رشيقة. من ناحية، هناك أحواض الزرع العميقة المصممة هندسيًا لتحمل جذور وأوزان أشجار ناضجة، مما يضمن نموًا طويل الأمد للنظام البيئي المصغر على الواجهة. ومن ناحية أخرى، هناك الدرابزينات المعدنية الدقيقة، التي تم حياكتها معًا من خلال بروفيلات فولاذية أفقية وعمودية، لتوفر الأمان دون التضحية بالرؤية أو الشعور بالانفتاح. تعمل هذه الكتلة مجتمعة كـ “طرف صناعي” للكتلة الرئيسية للمبنى، متجاوزة وظيفتها الأساسية لتصبح طبقة حية ومتجددة.

القيمة الجمالية والبيئية: واجهة تتنفس وتتفاعل
النتيجة النهائية هي واجهة ديناميكية تختلف مظهرها كل يوم، واجهة “تتنفس”. كل صندوق زهرة يحمل نوعًا شجريًا متميزًا، مما يخلق إيقاعًا من التباين والتنوع عبر ارتفاع المبنى. هذا التنوع ليس مجرد خيار جمالي زخرفي، بل هو قرار مفاهيمي عميق. فبتخصيص شجرة حية فريدة لكل وحدة سكنية، يعزز التصميم شعور السكان بالهوية والانتماء. تصبح الشجرة علامة مميزة لبيتهم، تذكيرًا بصريًا دائمًا بأن مسكنهم له حضور فريد داخل الكل الجامع.

اللون والمادة: تعزيز الانزياح المفاهيمي
لتعزيز هذا الانزياح المفاهيمي للشرفة من الهامش إلى المركز، تم استخدام تباين مقصود في الألوان والمواد بين كتلة الشرفات والكتلة الرئيسية للمبنى. هذا التباين لا يبرز الشرفات بصريًا فحسب، بل يرمز إلى دورها المختلف كوسيط نشط. في هذا التصميم، لم تعد الخضرة مجرد ديكور، بل أصبحت وسيطًا حيويًا بين عالمي العام والخاص. إنها تمنح القاطنين شعورًا بالحماية والسلام دون عزلة كاملة، وفي المقابل، تقدم للمدينة واجهة حيوية متفاعلة، تتحول مع كل نسيم وتتألق مع كل شروق شمس.
✦ رؤية تحريرية من ArchUp
يتناول المقال تحول دور الشرفة من عنصر هامشي إلى مركز تشكيلي ووظيفي في العمارة السكنية، مستعرضًا مشروع “شابتاب” في طهران كنموذج. يلاحظ أن الانزياح الكتلي الكبير للشرفات، رغم تشكيله للهوية البصرية، يخلق مسقطًا ظليلاً متكررًا قد يحد من الضوء الطبيعي المباشر في أجزاء من الوحدات السكنية خلال فترات الظهيرة. كما أن الاعتماد على أحواض زرع متصلة هيكليًا بالواجهة يثير تساؤلات حول الضغط المستمر على النظام الإنشائي، وتحديات العزل المائي تحت ظروف التجميد والذوبان، واحتمال تسرب الجذور على المدى البعيد. ومع ذلك، فإن نجاح التصميم في خلق علاقة تبادلية بين القاطن والواجهة، حيث يصبح السكان مشاركين فعليين في تشكيل المشهد البصري للمبنى، يضع إطارًا جديدًا للمسؤولية الجمالية المشتركة في العمارة السكنية.
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.