من الصناعة إلى السكن: تحويل مصنع أحذية من ثلاثينيات القرن الماضي إلى تحفة معاصرة
في قلب النسيج الحضري للمدينة، حيث تحكي الجدران القديمة حكايات عن عصر صناعي مضى، قام المكتب البريطاني APA بمهمة تجديد استثنائية: تحويل مصنع أحذية يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي إلى شقة معاصرة تنبض بالحياة. لم يكن الهدف مجرد توفير مسكن، بل كان إحياءً للروح الأصلية للمكان مع ضخ شخصية حديثة وجريئة. تمكن المصممون من خلال هذه العملية الدقيقة من الجمع بين القصة التاريخية للمبنى واحتياجات الحياة العصرية، ليكون الناتج النهائي مساحة سكنية فريدة تجذب عشاق التصميم من كل مكان.

الضوء والهيكل: أساس التصميم
كانت النوافذ الشاسعة ذات الإطارات الميكانيكية الأصلية هي أول ما لفت انتباه المصممين والعميل على حد سواء. لم تكن هذه النوافذ مجرد مصدر للضوء الطبيعي فحسب، بل كانت إطاراً يربط المساحة الداخلية بالعالم الخارجي، محتفية بالحركة والإيقاع الحضري. شكلت هذه العناصر الجذب الرئيسي للمشروع، حيث سعى العميل إلى مسكن لا يعزل عن محيطه، بل يحتفل به ويدمج فيه، مع الحفاظ على الأصالة الهيكلية التي تميز المبنى التاريخي.

التدفق الذكي وتعدد الوظائف: مقعد متعدد الاستخدامات
لتعزيز الشعور بالاتساع والاستمرارية في المساحة، امتد مقعد مدمج ذكي على جانب واحد من الشقة. لا يقتصر دور هذا المقعد على تقديم مقاعد مريحة للجلوس فحسب، بل يتحول بسلاسة إلى مكتب عمل مخصص، مما يخلق منطقة مخصصة للعمل من المنزل دون الحاجة إلى جدران أو فواصل تعطل تدفق المساحة. هذه الميزة التصميمية لا توجه الحركة نحو غرفة المعيشة والمطبخ فحسب، بل وتضع النغمة العامة للمنزل: حيث تندمج عناصر الأثاث مع الهندسة المعمارية في تناغم تام، لخلق بيئة متجانسة وعملية.

الصندوق الأسود: القلب النابض والمنحوتة الوظيفية
في مركز التصميم، يجلس عنصر دراماتيكي يجذب كل الأنظار: صندوق أسود أشبه بمكعب غامض. هذا العنصر ليس مجرد قسم أو جدار عادي، بل هو منحوتة وظيفية تؤدي أدواراً متعددة. تم بناؤه من جدران فولاذية خام، شاشات شبكية سوداء، رفوف معدنية، ومنافذ وأبواب انزلاقية ذكية. يصبح هذا الصندوق هو النقطة المحورية التي حولها تدور حياة الشقة، ويعكس شغف العميل بعالم المسرح والسينما والتصميم الدقيق، حيث يخلق لحظات تشبه المشاهد المتغيرة على خشبة المسرح.
تقسيم داخلي دون جدران: فلسفة المساحة المفتوحة
يكشف الصندوق الأسود عن براعته في تنظيم المساحة دون الحاجة إلى جدران تقليدية. فهو يضم بداخله حماماً خاصاً، أرشيفاً لأفلام وكتب العائلة، ومرافق غسيل مدمجة بشكل متخفي. كل وجه من أوجه هذا المكعب يخدم غرضاً مختلفاً: وجه للقراءة، وآخر للنوم، وثالث للعمل، ورابع للطهي وتناول الطعام أو للتواصل الاجتماعي والاسترخاء. هذا الترتيب العبقري يخلق تجربة سلسة ومتغيرة، حيث تتحول وظائف الغرف بتغير احتياجات السكان، بينما تبقى كل المساحات متصلة بصرياً مما يعزز شعور الاتساع والحرية.

غرفة المعيشة: الأريكة ثنائية الاتجاه ودمج الطبيعة
في غرفة المعيشة، يأتي عنصر التصميم الرئيسي على شكل أريكة ذات وجهين. تواجه إحداها تلفزيوناً خفياً متكاملاً مع ديكور الجدار، بينما يتجه الوجه الآخر نحو المطبخ وطاولة تناول الطعام. هذا التصميم لا يشجع على التفاعل الاجتماعي فحسب، بل ويعزز شعوراً ديناميكياً بالحركة داخل المساحة المفتوحة. وقبالة هذه المنطقة، تبرز شرفة صغيرة جلبت لمحة من الطبيعة إلى الداخل عبر مجموعة مختارة من النباتات، لتلين من حدة اللوحة الصناعية الصارمة وتضيف لمسة من الحياة واللون.

المطبخ: حيث تلتقي الأصالة بالمعاصرة
في المطبخ، يبرز عنصر تاريخي كجسر يربط الماضي بالحاضر: باب صناعي قديم ضخم ومذهل تم الحفاظ عليه وتكامله ببراعة في التصميم الجديد. يقف هذا الباب كشاهد على جذور المبنى الصناعية. حوله، تتناقض الخزائن السوداء العصرية مع الجدران البيضاء النقية والأرضيات الخرسانية المصقولة، بينما تضيف لمسات من الخشب الدافئ والألوان المعدنية عمقاً وحرارة إلى الجو. يمثل المطبخ النقطة التي يلتقي فيها الخام بالأنيق، والعتيق بالمعاصر.

الخلاصة: أكثر من مجرد منزل
تحول APA لمصنع الأحذية هذا هو أكثر من مجرد مشروع تجديد؛ إنه إعادة اختراع كاملة للفضاء. حيث تلتقي الخشونة الصناعية مع الدقة المسرحية، والتفاصيل الشخصية للغاية مع المتانة الهيكلية. والنتيجة هي منزل لا يعكس فقط شغف بالسينما والتصميم والسفر، ولكنه أيضاً يخلق قصة جديدة للمبنى. إنها شقة مظلمة وأنيقة، تتحول باستمرار بين النعومة والقوة، بين الخصوصية والانفتاح، بين الضوء والظل، لتصبح نموذجاً ملهماً لإحياء التراث المعماري.
✦ بصرة تحريرية من arch up
يقدم هذا المشروع رؤية مقنعة لإحياء التراث الصناعي من خلال تحويل مصنع سابق إلى منزل معاصر يحتفل بالأصالة والهوية. يظهر التصميم تقديراً كبيراً للعناصر الأصلية مثل النوافذ الميكانيكية والباب الصناعي، محولاً إياها إلى نقاط قوة جمالية ووظيفية. ومع ذلك، فإن الجدران الفولاذية الخام والجمالية الصناعية الصارمة يمكن أن تشكل تحدياً من حيث الراحة الحسية والدفء على المدى الطويل، مما يستدعي دراسة لتحقيق التوازن الأمثل بين الجماليات الجريئة والراحة السكنية اليومية. يبقى الإنجاز الأبرز هنا هو نجاح المشروع في خلق سرد بصري غني، حيث كل عنصر، وخاصة الصندوق الأسود المركزي، يحكي قصة تخلق اتصالاً عاطفياً عميقاً بين المكان وسكانه.
مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp
من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.