كيف تحوّل سكتش أولي إلى هوية دبلوماسية: قصة تصميم القنصلية الإندونيسية الجديدة في جدة

تم تطوير القنصلية العامة الإندونيسية الجديدة في جدة من خلال عملية “تصميم وبناء” (design-and-build) قادها المعماري السعودي إبراهيم نواف جوهرجي، المعماري الرئيسي ومدير المشروع في استوديو INJ Architects. وتولت الشركة السعودية مسؤولية توجيه التصميم المعماري وترجمته عبر مرحلة البناء كجزء من عملية تسليم مشروع موحدة.
وبدلاً من البدء بواجهة محددة مسبقاً أو صورة نهائية، تعامل جوهرجي مع التكليف كاستقصاء وبحث في العمارة الدبلوماسية داخل مدينة جدة، وهي مدينة شكلتها ظروف دينية وثقافية ومناخية واقتصادية. وكان السؤال المركزي هو كيف يمكن لمبنى يمثل إندونيسيا أن يوصل هويته المؤسسية دون الاعتماد على الاستنساخ الحرفي للزخارف التقليدية.
تحت إشراف جوهرجي، جمعت عملية التصميم بين الرسم اليدوي، والبحث الثقافي، والدراسات الهندسية التكرارية، والنمذجة الحوسبية، والتحليل البيئي، والمشاورات المستمرة مع ممثلي القنصلية الإندونيسية. ولأن استوديو INJ Architects كان منخرطاً في كل من التصميم والبناء، تم تطوير العديد من القرارات المعمارية جنباً إلى جنب مع أسئلة التصنيع، والتنسيق، والتكلفة، والأداء المناخي، والتنفيذ.
التخطيط الأولي (The First Sketch): تحديد التوجه المعماري
لم تحاول الرسومات الأولية (الاسكتشات) التي وضعها إبراهيم جوهرجي تحديد واجهة نهائية مكتملة. بل أسست لتوجه هندسي أولي يمكن من خلاله اختبار العلاقة بين الموقع، والشارع، والمبنى القائم، وتسلسل المدخل، والغلاف المعماري.
أصبحت هذه المرحلة المرسومة يدوياً بداية لسلسلة تصميم أطول. فقد تم فحص الهندسة بشكل متكرر، وتعديلها، وإعادة بنائها قبل نقلها إلى نماذج رقمية وبارامترية (parametric). لم يكن القصد إنتاج “أيقونة معمارية” معزولة، بل تأسيس “نظام شكلي” قادر على الاستجابة في وقت واحد للتمثيل الدبلوماسي، والهوية الثقافية، والأداء البيئي، وقيود البناء.


ثلاث مراحل تطويرية شكلت الهوية
وجه جوهرجي التطوير المعماري عبر ثلاث مراحل واسعة. تناولت المرحلة الأولى المراجع الثقافية الإندونيسية واختزلتها (جردتها) من كونها كائنات معروفة (recognizable objects) إلى نِسب (proportions)، وخطوط، وعلاقات هندسية. وبدلاً من إرفاق زخارف ثقافية بمبنى مكتمل، تم إدخال المراجع بينما كانت اللغة المعمارية نفسها لا تزال في طور التكوين.
وركزت المرحلة الثانية على استقرار (تثبيت) الكتلة (Massing) وهندسة الواجهة. استُخدمت دراسات النسب والنماذج الحوسبية لاختبار العلاقة بين الأسطح الصلبة، والفتحات، والطيات (folds)، وعناصر التظليل، والصورة الظلية (Silhouette) العامة للمبنى.
أما المرحلة الثالثة، فربطت هذا النظام المعماري مباشرة بمتطلبات البيئة والبناء. أثر التعرض للشمس، والتوجيه، وتدفق الهواء، والتنسيق الإنشائي، وأبعاد المواد، وقيود التصنيع (Fabrication) على التكوين النهائي. ولأن استوديو INJ Architects كان ينفذ التكليف كمشروع “تصميم وبناء”، كان من الممكن مراجعة القرارات التصميمية في ضوء تنفيذها المادي بدلاً من التعامل معها كمراحل منفصلة.
الباتيك (Batik): من مرجع ثقافي إلى نظام توليدي
كان فن “الباتيك” الإندونيسي جزءاً مركزياً من أبحاث جوهرجي. وبدلاً من اختيار نمط باتيك واحد يمكن التعرف عليه وتكبيره عبر الواجهة، درس فريق التصميم الباتيك كـ “نظام” من التكرار، والتجاور، والتنوع، والتسلسل الهرمي، والتنظيم الهندسي.
تم فحص عدة مراجع ثقافية وهندسية خلال عملية التصميم. وتم “تجريدها” (Abstracted) تدريجياً حتى أمكنها العمل كقواعد معمارية بدلاً من كونها مجرد زينة مطبقة. وبالتالي، انبثقت الواجهة الناتجة من العلاقة بين البحث الثقافي والأداء البيئي، وليس من الاستنساخ المباشر لنمط نسيجي.


حددت الدراسة “منطقاً بصرياً” يعتمد على حقول هندسية مرتبطة ولكن غير متطابقة. أصبح هذا أحد نقاط البداية لتطوير نظام التغطية (Screening) الخارجي، حيث يمكن للمكونات المتكررة أن تتنوع في الاتجاه والكثافة مع بقائها جزءاً من غلاف معماري متماسك.
لذلك، تؤدي الواجهة أدواراً متعددة في وقت واحد؛ فهي تساهم في التحكم الشمسي، وتخلق عمقاً حول الغلاف الخارجي، وتؤسس علاقة بصرية مع المادة الثقافية الإندونيسية دون تحويل المبنى إلى تمثيل حرفي لشكل تقليدي واحد.
التفاوض على الهوية الإندونيسية ضمن السياق السعودي
كانت المشكلة الثقافية التي واجهها المشروع معقدة بطبيعتها. فلا المملكة العربية السعودية ولا إندونيسيا يمكن اختزالهما في مفردات معمارية واحدة. فكلاهما يحتوي على تقاليد إقليمية متعددة ولّدتها مناخات، ومواد، وهياكل اجتماعية، وظروف تاريخية مختلفة.
لذلك، لم يكن نهج جوهرجي هو اختيار “نوع مبنى” تقليدي واحد وإعادة إنتاجه في جدة. بدلاً من ذلك، فحص البحث التصميمي عدداً من المراجع المميزة واستخرج علاقات هندسية يمكن دمجها ضمن مبنى دبلوماسي معاصر.

يسجل المخطط البياني لتطوير التصميم عدة مراجع ثقافية تم فحصها أثناء المشروع، بما في ذلك سقف (Selaso Jatuh Kembar)، و(Rumah Adat Limas)، وقبعة السونغكوك (أو البيتشي Peci) الإندونيسية، وهياكل الخيام المرتبطة بمشعر منى. هذا المخطط مهم ليس لأن هذه المراجع قد نُسخت مباشرة، بل لأنه يسجل العملية التي تم من خلالها “اختزالها” إلى خطوط، وزوايا، ونِسب، وأسطح مطوية قبل أن تساهم في هندسة الواجهة النهائية.
سمحت هذه العملية للمبنى بالاحتفاظ بصلات (روابط) يمكن التعرف عليها بإندونيسيا مع بقائه مستجيباً لموقعه في جدة. وبالتالي، فإن الهوية الثقافية للمشروع تعمل من خلال “التحول” (Transformation) و”التجريد” (Abstraction) بدلاً من التكرار والنسخ الحرفي (Replication).
التحليل البيئي ضمن عملية التصميم
شكلت “نمذجة معلومات البناء” (BIM) والتصميم الحوسبي (computational design) جزءاً من عملية تطوير المشروع منذ مرحلة مبكرة. لم يُستخدم النموذج الرقمي فقط لتنسيق المعلومات المعمارية والإنشائية وخدمات المبنى، بل استُخدم أيضاً لاختبار العلاقة بين الواجهة والظروف البيئية.
أرشد التوجيه الشمسي ومدى التعرض للشمس عملية معالجة الغلاف الخارجي، بينما تم تعديل عمق وكثافة عناصر التغطية (screening) وفقاً لظروف الواجهة المختلفة. لذلك، فقد حمل نفس “النظام الهندسي” مسؤوليات بصرية وبيئية في آن واحد.
أصبحت هذه العلاقة بين التصميم والتنفيذ مهمة بشكل خاص لأن استوديو INJ Architects ظل مسؤولاً طوال عملية التصميم والبناء. كان لابد من ترجمة الدراسات الحوسبية إلى مكونات يمكن تنسيقها، وتصنيعها، وتركيبها، وصيانتها كجزء من المرفق الدبلوماسي المكتمل.


من العمارة إلى الهوية المؤسسية
مع تطور التصميم، أصبحت الصورة الظلية المطوية (Folded silhouette) مميزة بدرجة كافية للعمل خارج الواجهة نفسها. تم استخدام العناصر المستمدة من الكتلة لاحقاً في جرافيك المشروع وعروضه التقديمية، مما خلق علاقة مباشرة بين العمارة و”الهوية البصرية” المرتبطة بالقنصلية الجديدة.
كان هذا ناتجاً عن عملية التصميم وليس تطبيقاً لزخرفة جرافيكية منفصلة. فقد انتقلت نفس الهندسة بين المخطط الأولي (الاسكتش)، والمبنى، ونظام الواجهة، والتمثيل المؤسسي.
إدارة التصميم ضمن مشروع دبلوماسي
تطلب التكليف أيضاً هيكلاً تنظيمياً يختلف عن التطوير الخاص التقليدي. فقد وجه إبراهيم جوهرجي العملية المعمارية وتسليم المشروع عن استوديو INJ Architects، بينما تم مراجعة القرارات مع ممثلي القنصلية العامة لجمهورية إندونيسيا وأصحاب المصلحة المعنيين الآخرين.
وعلى جانب العميل، عمل هاشم بن سالم حلبي كضابط اتصال وممثل للمالك. كان دوره متميزاً عن دور المعماري: فقد حافظ على التواصل بين القنصلية الإندونيسية وفريق المشروع، وتابع المتطلبات الإدارية والتوثيقية، وأوضح أهداف المالك، وسهل التنسيق عبر البيئتين المؤسسية والمهنية.
كان التمييز بين هذه الأدوار أمراً مركزياً في المشروع. فقد حمل جوهرجي واستوديو INJ Architects مسؤولية التوجيه المعماري وتسليم المشروع (تصميم وبناء)، بينما نقل ممثل المالك متطلبات وقرارات الجانب الإندونيسي. تُظهر السجلات الفوتوغرافية للعملية جوهرجي وهو يقدم ويراجع المشروع مباشرة مع الممثلين القنصليين والمسؤولين الإندونيسيين الزائرين في مراحل مختلفة من تطوره.
مثل هذا التنسيق مهم بشكل خاص في العمارة الدبلوماسية، حيث يمكن أن تتأثر قرارات التصميم بالبروتوكولات الأمنية، والإجراءات الحكومية، والموافقات، والمتطلبات التشغيلية، والتمثيل الثقافي، والعلاقة بين البعثة الأجنبية والسلطات في البلد المضيف.




من التوجيه المعماري إلى التسليم المبني
تكمن أهمية عملية المشروع في أن “التأليف المعماري” (architectural authorship) لم يتوقف عند تصميم المفهوم (concept design). فقد ظل إبراهيم جوهرجي منخرطاً كمعماري رئيسي ومدير مشروع بينما تولى استوديو INJ Architects تسليم المشروع وفق نظام “التصميم والبناء”، رابطاً بين الاسكتشات الأولية، والتطوير الحوسبي، والتنسيق الفني، والموافقات، والبناء، والنتيجة المعمارية النهائية.
هذا الاستمرار يجعل القنصلية الإندونيسية في جدة مفيدة بشكل خاص كـ “دراسة حالة” لطريقة عمل جوهرجي. فالوثائق الخاصة بالمشروع لا تقتصر على مجرد مبنى مكتمل، بل تُمثل سلسلة من القرارات: بحث ثقافي يُترجم إلى هندسة، وهندسة تُختبر بيئياً، وأنظمة رقمية ترتبط بالتصنيع، ونية معمارية (Architectural intent) يُتفق عليها عبر حوار مباشر مع العميل والممثلين الدبلوماسيين.
لذلك، يمكن قراءة المبنى الناتج باعتباره “المحصلة المادية” (Physical outcome) لعملية تصميم وتسليم ممتدة بدلاً من كونه مجرد تكوين (Composition) لواجهة معزولة. وقد تطورت هويته المعمارية من خلال التفاعل بين المراجع الإندونيسية، وسياق مدينة جدة، والمتطلبات الدبلوماسية، والقيود الفنية، والمشاركة المستمرة للمعماري من المفهوم الأولي وحتى التنفيذ.
✦ رؤية ArchUp التحريرية
المبنى الدبلوماسي ليس مجرد مشكلة تصميمية — بل هو “مشكلة سيادة” (Sovereignty problem) مُعبر عنها بالبناء، وتُفهم القنصلية الإندونيسية في جدة بشكل أدق كنتيجة مكانية لعلاقة ثنائية بين دولتين، تتم إدارتها من خلال نموذج مشتريات (Procurement model) حدد “التمثيل الثقافي” كمتغير في موجز التصميم، ثم طلب من معماري سعودي حله نيابة عن عميل إندونيسي داخل بيئة تنظيمية سعودية.
المساهمة الأكثر أهمية للمقال من الناحية التحليلية هي توثيقه لعملية “التجريد” (Abstraction): فالباتيك (batik) دُرس كنظام هندسي بدلاً من استنساخه كنمط سطحي (surface pattern)، وقبعة (Songkok) اختُزلت إلى علاقات نسبية (تدرج بالنسب)، وسقف (Selaso Jatuh Kembar) جُرد إلى “زوايا طي” (folding angles). هذه المنهجية، التي نوقشت أيضاً في مقال العمارة العامية والهوية الثقافية، تقدم استجابة قابلة للدفاع لـ “مشكلة التراث كموجز مشروع” (heritage-as-brief problem)؛ لأن التجريد يعترف بالمسافة بين الثقافة المصدر، والتوقعات المؤسسية، والتفسير المعماري، بدلاً من إخفاء تلك المسافة من خلال إعادة الإنتاج (النسخ) الحرفي المباشر.
يضيف هيكل عملية “التصميم والبناء” (design-and-build) طبقة أخرى من التعقيد. في أي مشروع عادي، قد يتم تقسيم التأليف المعماري ومسؤولية البناء عبر عدة أطراف. ومع ذلك، في المشروع الدبلوماسي، يعمل المعماري بالفعل ضمن أنظمة حكومية متداخلة: فالدولة المُكلفة لديها إجراءات مشتريات خاصة بها، وتوقعات ثقافية، ومتطلبات أمنية، وموافقات مؤسسية، بينما تفرض الدولة المضيفة طبقة أخرى من القيود البلدية والتنظيمية والفنية والإنشائية. وعندما تتولى نفس الممارسة المعمارية (الاستوديو) كلاً من التصميم والبناء، فإن جزءاً كبيراً من هذا التعقيد يتركز وينصبّ على المعماري.
هذا لا يمثل بالضرورة نقطة ضعف في نموذج التنفيذ (المشتريات). بل يمثل “تركيزاً للمسؤولية”. فيصبح المعماري مسؤولاً ليس فقط عن إنتاج مفهوم تصميمي (Concept) مقنع، بل وعن تمرير هذا المفهوم عبر سلسلة من الموافقات، والتنسيق الفني، والتفسير الثقافي، والتصنيع، والبناء، والتسليم النهائي دون فقدان “المنطق” (Logic) الذي تم إنشاؤه في بداية العملية. وبهذا المعنى، يضع المشروع التزاماً مهنياً وثقافياً كبيراً وغير عادي على عاتق المعماري: أن يكون بمثابة النقطة التي تتقاطع وتترجم عندها نظامان حكوميان، ومتطلبات مؤسسية متعددة، وهوية معمارية وطنية إلى نتيجة مبنية واحدة.






