عمارة الحظر والعبور: كيف تعيد الحدود والأعراف هندسة الفضاء الأنثوي في “غرب الأردن”؟
تتحول الجدران في التخطيط الحضري والعمارة من مجرد عناصر إنشائية حامية للخصوصية إلى أدوات صريحة للضبط الاجتماعي؛ تحدد من يملك حق المرور والاستكشاف، ومن يُفرض عليه المكوث خلف الشاشات الخشبية والأسوار العالية. وفي روايتها الصادرة عام 2003 بعنوان “غرب الأردن”، تضع الكاتبة ليلى حلبة هذه المفارقة المجالية تحت مجهر النقد التحليلي؛ إذ لا تقتصر الحدود على الجدران الخرسانية ونقاط التفتيش العسكرية الفاصلة بين الدول، بل تمتد لتسكن الجغرافيا الدقيقة للمنزل، وفناء المدرسة، وأزقة القرية، وممرات المطار. ينبثق التساؤل الهندسي والاجتماعي الأكثر إلحاحاً هنا: كيف يتشكل الفراغ المبني عندما تصبح حركة النساء محكومة بسياسات الجندر، والرقابة العائلية، والحدود الجيوسياسية المتقاطعة؟
خرائط السيطرة: حين يتحول الفراغ المعماري إلى أداة رقابة
لا يمكن فصل تصميم المساكن الحضرية أو القروية عن منظومة القيمة السائدة في المجتمع. فالفراغ المعماري ليس محايداً، بل يعكس توزيع السلطة ويدعم أشكال الرقابة الذكورية. في هذا السياق، أظهرت دراسة تحليليّة قادها الباحث لؤي مالول أن الرواية تتناول كيف تعيد الأسر المهجرة إنتاج الثقافة التقليدية عبر تقييد جغرافيا حركة البنات، حيث يُصبح الفضاء الخارجي المفتوح مقترناً بالخطر الأخلاقي، وتُصبح جدران المنزل الداخلية بمثابة حدود الأمان والكرامة العائلية.
تُترجم سمعة العائلة والشرف المعنوي إلى مخططات معمارية صلبة؛ حيث يُفصل “الداخل” النسوي المعتمد على الخصوصية الحذرة، عن “الخارج” الذكوري النشط. تؤدي هذه العمارة السلوكية إلى تحويل الفتيات إلى حارسات رماديات للحدود الثقافية، حيث تُقاس “أصالة” الفتاة بمدى انحسار وجودها في الفضاءات العامة ومحدودية حركتها بين الحدود. وبذلك، لا يعود المنزل مجرد مأوى سكني، بل يتحول إلى مساحة إعادة إنتاج قسرية للقيم الاجتماعية المحافظة.
جغرافية القريبات الأربع: الفضاء بين الملاذ السكني والممر المعتم
تعتمد ليلى حلبة على هيكلية سردية رباعية، ترسم من خلالها خريطة متوازية لسياسات التنقل عبر أربع فتيات تربطهن قرابة الدم وتفرقهن الجغرافيا. تعيش ثريا وخديجة في كنف الضواحي الأمريكية الهادئة، لكن حركتهما المادية تخضع لأسوار غير مرئية يفرضها الآباء لحماية “الأصالة”. وفي المقابل، تتنقل هالة بين الأردن والولايات المتحدة في فضاء برزخي عابر، بينما تقبع نوال في قرية نوارة الفلسطينية، حيث يلتقي الحصار الاجتماعي بالحصار العسكري المباشر.
تتقاطع هذه الديناميات المجالية مع التحليلات التي قدمتها الباحثة سهاد عودة داود حول كيفية إعادة تشكيل الهوية الفراغية للنساء الفلسطينيات؛ إذ تؤكد أن التفاوض على المساحة ليس مجرد فعل تنقل بل هو إعادة تعريف للوجود ضمن بيئات حضرية ومحلية مقيدة. هذا التفاوض الفراغي تجسده أيضاً طروحات الباحثة أليكسيا فالاسوبولوس بشأن صياغة “عدم الانتماء” لدى الشخصيات العربية الأمريكية؛ حيث يصبح التنقل بالسيارة أو السير في الشارع العام تجربة محفوفة بأسئلة الانتماء والشرعية، ليتحول الفضاء الحضري من مجرد خلفية محايدة إلى ساحة مواجهة يومية بين الذات والمحيط المبني.
اختراق الحدود المعمارية: التعليم كفعل لإعادة رسم المخطط الحضري
على عكس الانطباع السائد بأن النسيج العمراني التقليدي يغلق جميع المنافذ أمام حركة النساء، تقدم الرواية لحظة استثنائية حين يقرر الجد—وهو السلسلة القيادية التقليدية في القرية—إرسال ابنته هدى إلى الولايات المتحدة لإكمال تعليمها، معلناً أن المعرفة هي السبيل الوحيد للتطور. تشكل هذه الخطوة تخطياً صريحاً للحدود الجغرافية والاجتماعية المعتادة.
تتقاطع هذه اللحظة السردية مع ما وثقته الباحثة إيلا غرينبرغ في دراستها التاريخية حول عمارة التعليم وتخطي الحدود الفراغية للبنات؛ إذ أوضحت أن دخول الفتيات إلى فضاءات التعليم وخروجهن إلى الشارع العام كان يعتبر اختراقاً للثنائية التقليدية التي تقسم العمران إلى فضاء “خاص” للمرأة و”عام” للرجل. لم يكن التعليم مجرد تحصيل أكاديمي، بل كان بمثابة تصريح مرور مجالي أتاح للمرأة اقتحام الفضاءات المفتوحة، وإعادة صياغة العمارة المدرسية والمسارات الحضرية المؤدية إليها لتكون أكثر استيعاباً للتواجد الأنثوي.
الجسم كإقليم عمراني: نقاط التفتيش وثقافة العيب في الفضاء العام
في الفضاء الممتد بين قريتين أو مدينتين، تتحول نقاط التفتيش العسكرية والحواجز الحضرية إلى عمارة صريحة للإخضاع والسيطرة. لا تكتفي الحدود بتقسيم الأرض، بل تعامل جسم المرأة باعتباره إقليماً خاضعاً للرقابة والتفتيش. تجد الشخصيات أنفسهن في مواجهة دوائر مزدوجة: ثقافة العيب الحضرية التي تقيد الحركة في الشارع، والرقابة العسكرية الحدودية التي تجرد العبور من إنسانيته.
تتكامل هذه الزاوية مع البحث الذي قدمه عبد الجبار كريم حول الجانب المظلم للحدود، حيث تُختزل أجساد العابرات إلى مساحات مستهدفة بالسيطرة والتفتيش الأمني والتحقيق. وهو ما يتقاطع مع تحليلات الباحث جوهان سيلمان حول عمارة الحدود المابعد استعمارية؛ إذ يصف الحدود السياسية بأنها ليست خطوطاً رسمية على الخارطة فحسب، بل غشاء غير متماثل يسمح بالعبور للبعض ويتحول إلى سد منيع وأداة فرز مجالي وتهميش للبعض الآخر، مما يضاعف عزلة المرأة في الممرات العابرة للدول.
الحدود الهشة: الشتات والهوية في الفراغات العابرة للقوميات
إن تجربة الشتات لا تعني الاغتراب عن الأرض فحسب، بل تعني أيضاً الاغتراب عن المفهوم الثابت للـ “بيت” كفراغ معماري آمن. يتنقل أبناء الشتات في الرواية بين بيوت غريبة، وأحياء سكنية لا تشبه ذاكرتهم، مما يحول البيوت ذاتها إلى فراغات هشة ومؤقتة.
تشير الباحثة كافيتا دايا في أبحاثها حول المواطنة والبيت في أدب الهجرة إلى أن “البيت” للمرأة المهاجرة يتوقف عن كونه حيزاً جغرافياً ثابتاً، ليصبح مفهوماً مرناً يتشكل عبر الحركة والتفاوض المستمر مع قوانين الدولة والمجتمع. وتتفق هذه الرؤية مع ما أطرته الباحثة وسام سلام والباحثة صباح محفوظ في تحليلهما للذاكرة وتشتت الهوية؛ حيث تصبح الفراغات المعمارية الشتاتية محمّلة بصدمات عابرة للأجيال تتجسد في الشعور المستمر بعدم الاستقرار المادي والمكاني. وفي ذات السياق، يؤكد الناقد مايكل أبليني أن هذه الحركة الدائمة بين العوالم تخلق انعطافاً جيلياً، يحاول فيه الجيل الجديد التوفيق بين الذكريات الموروثة عن النسيج العمراني الأصلي والواقع المادي المعقد في مدن الشتات الحديثة.
إعادة امتلاك المخطط: المقاومة النسوية واسترداد حق الحركة
رغم اتساع نطاق الرقابة المعمارية والاجتماعية، لا تستسلم شخصيات الرواية للحظر المجالي. تجسد خديجة هذا التمرد عندما تقرر الاستعانة بالسلطات وتكسر صمت الحيز الداخلي لحماية نفسها وعائلتها من عنف الأسرة، كما تتخذ الفتيات من تفاصيل حياتهن اليومية أدوات لإعادة رسم مسارات حركتهن خارج الحدود المسموح بها.
تؤكد الكاتبة سهير السراج أن أدب الكاتبات العربيات الأمريكيات يعمل كفعل مقاومة فراغية وسردية؛ فهو يعيد امتلاك المساحة عبر تفكيك الصور النمطية الجاهزة، ويُعيد رسم خريطة الواقع بعيون النساء اللاتي يخضن تجربة الحركة والعيش اليومي. إن تحويل تجربة الحصار السكني أو الحدودي إلى فعل كتابي وممارسة واعية للتنقل هو بحد ذاته إعادة تصميم للمشهد العمراني؛ حيث تتحول المرأة من عنصر منفعل داخل الفراغ المبني إلى صانعة ومشكّلة لجغرافيتها الخاصة، لتثبت أن الحدود—مهما بلغت قسوتها الإنشائية والسياسية—تبقى قابلة للختراق والتعديل.
✦ رؤية ArchUp التحريرية
تُعدّ الحواجز المنزلية والإقليمية الموضحة في رواية “غرب الأردن” تجسيداً مادياً لتقاطع التنظيم الجيوسياسي مع آليات إدارة المخاطر الأبوية. فعندما تتلاقى أنظمة الحدود المفروضة دولتياً مع حتميات الحفاظ الثقافي لدى عائلات الشتات، يتكيف التخطيط المجالي عبر تحويل الرقابة إلى نظام هيكلي مأسسي. وبذلك تعمل البيئة المبنية الناتجة—بما تتسم به من غلاف سكني معتم، وتحكم صارم في العتبات، وتقسيم حاد بين الداخل والخارج—كبنية تحتية للاحتواء. إن المساكن، والممرات المدرسية، ونقاط التفتيش العسكرية لا تنتج الفصل الاجتماعي بذاتها؛ بل تترجم أعراف الشرف المؤسسية، والحرمان القانوني، والسيادة الترابية إلى حدود مكانيّة ملموسة. وفي هذا السياق، لا يُعد تقييد حركة المرأة خطأً تصميمياً عارضاً، بل هو النتيجة المعمارية الحتمية لنموذج حوكمة يُسخّر الإغلاق المادي كأداة للحفاظ على النظام الاجتماعي والسياسي.
المراجع
- مالول، لؤي. “بناء الهويات الذكورية المسلمة الفلسطينية في روايتين لليلى حلبة ورندة جرار”. مجلة نورما، 2019.
- فالاسوبولوس، أليكسيا. “التفاوض على عدم الانتماء في الكتابة العربية الأمريكية: رواية بمجرد وصولي إلى أرض الميعاد لليلى حلبة”. مجلة الكتابة المابعد استعمارية، 2013.
- أبليني، مايكل. “كسر النص: الانعطاف الجيلي في الرواية الفلسطينية الأنجلوفونية”. مجلة الكتابة المابعد استعمارية، 2019.
- كريم، عبد الجبار. “الجندر والجانب المظلم للحدود في رواية أمل وطموحات خطيرة أخرى لليلى العلمي”. مجلة الدراسات الجندرية، 2016.
- سلام، وسام، ومحفوظ، صباح. “ادعاءات الذاكرة: الصدمات العابرة للأجيال، الهويات المرنة، والمقاومة في رواية بيوت الملح لهالة عليان”. مجلة الكتابة المابعد استعمارية، 2020.
- دايا، كافيتا. “الوطن والأمة: النساء والمواطنة والهجرة العابرة للقوميات في الأدب المابعد استعماري”. مجلة الكتابة المابعد استعمارية، 2008.
- السراج، سهير. “انعكاسات وانكسارات: الكاتبات العربيات الأمريكيات بين الكتابة والمكتوب عنهن”. مجلة حواء، 2003.
- سيلمان، جوهان. “عالمية ما بعد الاستعمار: الأدب العربي المعاصر للهجرة إلى أوروبا”. مجلة الكتابة المابعد استعمارية، 2018.
- داود، سهاد عودة. “التفاوض على الفضاء: بناء هوية فراغية جديدة للنساء المسلمات الفلسطينيات”. مجلة العلوم الاجتماعية، 2017.
- غرينبرغ، إيلا. “اختراق الفراغات: تحدي ثنائية الخاص والعام في تعليم البنات في فلسطين إبان الانتداب”. مجلة حواء، 2012.







