عمارة السلطة عند فوكو
العمارة التي لم يبنِها فوكو
كيف تحوّل فيلسوف فرنسي لم يحمل مسطرة رسم يومًا إلى أكثر المنظّرين استشهادًا في نقد الفضاء المبني والتخطيط الحضري
لم يصمم ميشيل فوكو مبنى واحدًا في حياته، ولم يعمل يومًا في مكتب هندسي، ومع ذلك لا يمكن لأي طالب عمارة اليوم أن يجتاز مساقًا في نظرية التصميم أو التخطيط الحضري دون أن يصطدم باسمه. كلمة “بانوبتيكون” (Panopticon)، وهي تصميم سجن دائري اقترحه الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام في القرن الثامن عشر، باتت اليوم مصطلحًا يستخدمه المعماريون والمخططون للحديث عن المطارات، والمكاتب المفتوحة، وحتى تطبيقات المراقبة الذكية في المدن. المفارقة أن فوكو لم يكتب عن العمارة بوصفها فنًا جماليًا، بل عاملها كآلة: بناء يمكن أن يُبرمج الأجساد ويشكّل الوعي بصمت، دون الحاجة إلى حارس واحد يقف عند الباب. فهم مسار تفكيره، من الفينومينولوجيا الشابة إلى أركيولوجيا المعرفة، مرورًا بجينالوجيا السلطة، وصولًا إلى أخلاقيات الذات في سنواته الأخيرة، يكشف كيف صار الفضاء المبني، من دون أن يقصد فوكو ذلك بالضرورة، حقل تجاربه الأثير.
من غرفة الأحلام إلى سرير المستشفى: البدايات الإنسانوية
قبل أن يصبح فوكو الفيلسوف الذي أعلن “موت الذات”، كان شابًا مؤمنًا بإنسانوية فينومينولوجية متفائلة. في مقدمته لعمل بينسفانغر عن الأحلام عام 1954، احتفى فوكو بالحلم بوصفه كشفًا عن حرية الإنسان، تمهيدًا لعالم تتجسد فيه هذه الحرية فعليًا. وهي رؤية طوباوية هيغلية تخلى عنها لاحقًا، كما أوضح الباحث جيروم سيغل في قراءته لمسار فوكو الفكري. هذه المرحلة المبكرة مهمة لفهم ما جاء بعدها: فحين انتقل فوكو لدراسة المصحات والعيادات، لم يكن يهاجم فكرة “الإنسان” من فراغ، بل كان يصفّي حسابه مع نسخة سابقة من ذاته، مستبدلًا حماسه للحرية بحرص أكثر برودة على تفكيك الآليات التي تصنع هذه “الذات” أصلًا داخل مؤسسات بعينها، وأولها المؤسسات ذات الجدران.
جدران تصنع الحقيقة: العزل المعماري بوصفه أداة تصنيف
في كتابه “تاريخ الجنون” الصادر عام 1961، لم يكتب فوكو تاريخًا تقدميًا لتحرر المجانين من الأغلال، بل روى قصة معاكسة: حين ألغى الإصلاحيون، بينيل وتوك، القيود الحديدية عن المجانين في المصحات الأوروبية، لم يحرروهم بقدر ما سجنوهم في زنزانة أعمق، زنزانة نفسية. فالمجنون “المحرر من السلاسل” أصبح، بحسب فوكو، “مسؤولًا عما يعرفه عن حقيقته”، وانتهى به الأمر “مقيّدًا بإذلال أن يكون موضوع نفسه”. هنا يظهر أول درس معماري ضمني في فكر فوكو: تصميم المصحة، بأروقتها وقاعات ملاحظتها وترتيبها المكاني، لم يكن مجرد غلاف حيادي لعلاج طبي، بل كان جزءًا من آلية إنتاج “الجنون” نفسه بوصفه فئة معرفية.
هذا المنهج الذي أسماه فوكو “الأركيولوجيا”، أي التنقيب عن الشروط التاريخية التي جعلت عبارة ما “صحيحة” في حقبة بعينها دون أخرى، تكرر في “ميلاد العيادة” و”الكلمات والأشياء”. في الكتاب الأخير، طرح فوكو فكرته الأشهر: أن “الإنسان” بوصفه موضوع معرفة وذاتًا عارفة في آن، هو اختراع حديث نسبيًا، ظهر حوالي عام 1800، وربما يقترب من نهايته. الباحثة مارتن باور، في مراجعتها لعلاقة فوكو بعلم الاجتماع، تشير إلى أن الأركيولوجيا اعتمدت وحدة تحليل هي “العبارة” (énoncé)، ونظرت إلى المعرفة كنظام قواعد مجهول المصدر يحدد من يحق له الكلام لا ماذا ينوي قائله. لكن هذا المنهج الوصفي الساكن جلب لفوكو انتقادًا لاذعًا من جان بول سارتر، الذي اتهمه باستبدال “السينما بالفانوس السحري”، أي استبدال الحركة بسلسلة من الصور الجامدة المنفصلة، عاجزة عن تفسير كيف يحدث التحول من حقبة معرفية إلى أخرى.
البانوبتيكون: حين تُصمَّم البناية لتكون سجانًا في رأسك
جاء الرد على هذا القصور مع “المراقبة والمعاقبة” عام 1975، الكتاب الذي حوّل فوكو من مؤرخ للمعرفة إلى محلل للسلطة عبر ما أسماه “الجينالوجيا”. يفتتح فوكو الكتاب بمشهد صادم: التعذيب العلني للمحكوم عليه داميان في القرن الثامن عشر، مقارنًا إياه بجدول زمني صارم لسجن حديث في القرن التاسع عشر. الانتقال بين المشهدين يلخص أطروحته المركزية: لم تعد السلطة الحديثة تستهدف الجسد بالعقاب المباشر، بل أصبحت تستهدف “الروح” عبر تقنيات المراقبة والفحص والتصنيف والتدريب، داخل مؤسسات مغلقة مصممة هندسيًا لهذا الغرض بالذات.
هنا يبرز البانوبتيكون بوصفه الرمز المعماري الأوضح لفكرة فوكو بأكملها: مبنى دائري تحيط زنازينه ببرج مراقبة مركزي، بحيث يستحيل على النزيل معرفة ما إذا كان مراقَبًا في لحظة بعينها أم لا. النتيجة، كما صاغها فوكو بدقة، أن “من يخضع لحقل الرؤية يتحمل مسؤولية قيود السلطة” ويصبح هو نفسه “مبدأ خضوعه”. لم يعد الحارس ضروريًا؛ كفى أن يصدق النزيل احتمال المراقبة حتى ينضبط تلقائيًا. هذا التصميم المعماري، كما تلاحظ باور، يحوّل الفحص إلى شبكة من السجلات والملفات والتصنيفات المقارنة التي “تصنع الأفراد” وتثبّت معايير سلوكهم، بحيث تصبح السلطة ليست قمعية بقدر ما هي “منتجة”: تنتج معرفة، وتفرز أنماط سلوك، وتتسلل عبر الممارسات اليومية أكثر مما تنبع من مركز سيادي واحد. هذه هي الفكرة التي عُرفت لاحقًا بـ”السلطة/المعرفة”، والتي جادل فوكو بأنها لا تنفصل: لا توجد علاقة سلطة دون حقل معرفة مرافق، ولا معرفة دون افتراض مسبق لعلاقات سلطة.
من الجدار إلى المدينة: ميلاد التخطيط الحضري كعلم للتدفقات
لو توقف فوكو عند تحليل السجن والعيادة، لبقي إرثه محصورًا في نقد المؤسسات المغلقة. لكن محاضراته في الكوليج دو فرانس بين 1977 و1979، والمنشورة لاحقًا تحت عنوان “الأمن، الإقليم، السكان”، وسّعت الرؤية لتشمل المدينة والدولة بأكملها. يلاحظ الباحث مايك غاين أن فوكو أعلن مرارًا عزمه على تناول “السياسة الحيوية”، ثم حوّل مسار محاضراته مرتين، أولًا نحو تاريخ “الحوكمية” (Governmentality)، أي فن تدبير سلوك السكان عبر مزيج من المؤسسات والحسابات والتقنيات الأمنية، ثم نحو جينالوجيا الليبرالية.
هنا يقدم فوكو، بحسب قراءة كيث ترايب لتلك المحاضرات، تمييزًا جوهريًا للمخططين الحضريين: بينما كان همّ الأمير في فكر مكيافيلي هو تأمين إقليمه، أصبح همّ الحكومة الحديثة هو تأمين “التدفقات”، تدفق البضائع والسكان والأمراض والمعلومات. لم تعد المدينة تُدار بمنطق الحصن المغلق، بل بمنطق الشبكة المفتوحة التي يجب ضبط حركتها لا إيقافها. وهذا بالضبط هو المنطق الذي بُنيت عليه أدوات التخطيط الحضري الحديثة: من مناطق التصنيف السكني والتجاري، إلى شبكات النقل، إلى أنظمة الرصد الوبائي في المدن. وقد أضاف الباحث أليكس مينز أن مفهوم “السياسة الحيوية” نفسه، أي معالجة السكان كنوع بيولوجي قابل للقياس والإدارة عبر معدلات الولادة والوفاة والصحة، يتقاطع مباشرة مع كل قرار تخطيطي يتعلق بالكثافة السكانية أو توزيع الخدمات الصحية داخل النسيج الحضري.
حين تصبح المدينة سوقًا: عمارة “المقاول لنفسه”
الجزء الأكثر إثارة في محاضرات تلك الحقبة، وربما الأكثر تنبؤية، هو تحليل فوكو لليبرالية الجديدة، وهو موضوع تناوله بعمق في محاضرات “ولادة السياسة الحيوية”. يوضح غاين أن فوكو ميّز بين مدرستين: الأردوليبرالية الألمانية (مدرسة فرايبورغ)، التي استخلصت من تجربة النازية ضرورة أن يصبح اقتصاد السوق نفسه مبدأ تنظيم الدولة، بحيث تصبح “دولة تحت إشراف السوق لا سوقًا تحت إشراف الدولة”؛ والليبرالية الجديدة الأمريكية (مدرسة شيكاغو)، التي عمّمت منطق السوق ليصبح “شبكة قراءة” لكل سلوك اجتماعي، بما في ذلك الزواج والجريمة والتعليم.
النتيجة، كما يلخصها فوكو، هي ولادة “الإنسان الاقتصادي” بنسخة جديدة: لم يعد شريكًا في التبادل التجاري، بل أصبح “مقاولًا لنفسه”، وحدة من رأس المال البشري يجب الاستثمار فيها باستمرار. هذا التحول له صدى معماري مباشر لا يخفى على أي متابع لتحولات فضاءات العمل خلال العقدين الأخيرين: من المكتب التقليدي المغلق إلى مساحات العمل المشترك المصممة لتحفيز الفرد على تسويق ذاته وبناء “علامته الشخصية”، ومن السكن الجماعي الثابت إلى نماذج السكن المرن القابل للتأجير قصير الأمد، حيث يتحول العقار نفسه إلى أصل استثماري متحرك بدل كونه مأوى ثابتًا. الباحث كيث ترايب يرى أن هذا التحليل يُعد من أبكر وأدق الجينالوجيات الفكرية للنيوليبرالية، صدر قبل أن تعيد هذه السياسات تشكيل المدن الغربية بعقود.
عن الاستوديو والنقد: هل يمكن للمعماري أن “يعتني بذاته”؟
في السنوات الأخيرة من حياته، انعطف فوكو مجددًا، هذه المرة بعيدًا عن السلطة ونحو الأخلاق. المشروع الأصلي لـ”تاريخ الجنسانية” تحول من دراسة الجنسانية الحديثة إلى العودة للنصوص اليونانية والرومانية القديمة، بحثًا عما أسماه “العناية بالذات” (Epimeleia heautou). يميز فوكو هنا، كما يوضح الباحثان كاتارزينا كوسمالا وجون ماكيرنان، بين “الأخلاق كمدونة قواعد” مفروضة من الخارج، و”الأخلاق كعلاقة بالذات” يبنيها الفرد بنفسه عبر ممارسات تدريبية. وهو تمييز بالغ الصلة بثقافة الاستوديو المعماري الذي يتأرجح دومًا بين الامتثال لمعايير لجان التحكيم الخارجية والبحث عن صوت تصميمي شخصي أصيل.
فوكو وجد في الفلسفة اليونانية القديمة، قبل ما أسماه “اللحظة الديكارتية” التي فصلت المعرفة عن التحول الروحي للذات، نموذجًا لـ”استطيقا الوجود”، أي بناء حياة المرء كعمل فني شخصي، بدل الخضوع لمدونة أخلاقية جاهزة، كما يشرح الباحث هيرمان ويسترينك. وفي محاضراته الأخيرة عام 1984، خصص فوكو دروسه لمفهوم “البارهيزيا” (Parrhesia) أي “قول الحقيقة بجرأة”، متتبعًا تحولها من فضيلة سياسية، مواجهة الحاكم بالحقيقة، إلى فضيلة أخلاقية شخصية: شجاعة مساءلة الذات وتقديم حساب صادق عنها، كما يفصّل الباحث توماس فلين. هذه المحاضرات الأخيرة تكشف “المثلث” الذي يمكن من خلاله قراءة مسيرة فوكو بأكملها: المعرفة، والسلطة، وتشكّل الذات. وهو مثلث لا يخلو أي ممارس معماري من الاشتباك معه يوميًا، بين ما يعرفه، وما تفرضه عليه مؤسسات النقابة والتمويل والتحكيم، وبين الذات المهنية التي يحاول صياغتها لنفسه.
يبقى سؤال مفتوح يلاحق فوكو حتى في أواخر أعماله: إذا كانت الذات نتاجًا كاملًا لعلاقات السلطة والمعرفة، فمن أين تأتي إمكانية المقاومة أو الإبداع الحر؟ إصراره المتأخر على أن “حيث لا توجد إمكانية للمقاومة، لا توجد علاقة سلطة أصلًا” كان جزءًا من محاولته للإجابة على هذا السؤال عبر أخلاقيات صياغة الذات. كما أن مؤرخين متخصصين في العصور الكلاسيكية وجهوا انتقادات لتبسيطه المفرط لتاريخ الطب اليوناني والروماني في كتبه عن الجنسانية، محذرين من تحويل ألف عام من التنوع الفكري إلى سردية واحدة عن “التقشف”. ومع ذلك، فإن الأثر الذي تركه فوكو في العلوم الاجتماعية، من علم الاجتماع إلى علم الجريمة، ومن دراسات المؤسسات إلى نظرية التخطيط الحضري، يظل هائلًا، بوصفه مجموعة أدوات مفاهيمية لفهم كيف تُصنع الذوات وتُدار المدن والأجساد معًا، داخل جدران بُنيت أصلًا لتصنعنا كما نحن.
✦ ArchUp Editorial Insight
البانوبتيكون عند فوكو ليس فكرة تصميمية، بل حل لمشكلة تكلفة العمالة. كانت المراقبة البشرية المستمرة في مصحات وسجون ومصانع القرن الثامن عشر مكلفة إداريًا وهشة بنيويًا؛ الحراس يتعبون، والنوبات تتبدل، والانتباه يتراخى. لم يكن الحل المؤسسي توظيف مزيد من الأفراد، بل نقل وظيفة المراقبة نفسها إلى الهندسة المكانية، بجعل الرؤية دائمة بحيث لا تحتاج المراقبة إلى مراقِب. ما يُقرأ اليوم بوصفه “عمارة انضباطية” هو ببساطة امتصاص مكاني لمشكلة إدارية. المنطق نفسه يعاود الظهور، دون أن يُنسب لأحد، في المكتب المفتوح ونظام “المكتب المتنقل”: حين تصبح العمالة هشة وذاتية الإدارة تحت ضغط السوق، تُزيل العمارة الجدران مجددًا، لا من أجل الشفافية، بل لأن مراقبة الذات أرخص من التوظيف لأجل المراقبة. المبنى لم يختر الانفتاح؛ الميزانية هي من اختارت.
المراجع
سيغل، جيروم. “تجنّب الذات: مسار فوكوي”. مجلة تاريخ الأفكار، 1990.
كوبمان، كولن. “التوسع التأريخي عند فوكو: إضافة الجينالوجيا إلى الأركيولوجيا”. مجلة فلسفة التاريخ، 2008.
باور، مايكل. “فوكو وعلم الاجتماع”. المراجعة السنوية لعلم الاجتماع، 2011.
“أركيولوجيا الجينالوجيا: ميشيل فوكو واقتصاد التقشف”. الاقتصاد والمجتمع، 1989.
غاين، مايك. “فوكو حول الحوكمية والليبرالية”. النظرية والثقافة والمجتمع، 2008.
ترايب، كيث. “الاقتصاد السياسي للحداثة: محاضرات فوكو في الكوليج دو فرانس لعامي 1978 و1979”. الاقتصاد والمجتمع، 2009.
مينز، أليكس ج. “فوكو والسياسة الحيوية ونقد عقل الدولة”. فلسفة ونظرية التربية، 2021.
فلين، توماس. “فوكو بوصفه بارهيزياستيًا: درسه الأخير في الكوليج دو فرانس (1984)”. الفلسفة والنقد الاجتماعي، 1987.
ويسترينك، هيرمان. “واجب الحقيقة والعناية بالذات: ميشيل فوكو حول الانضباط العلمي والفلسفة كممارسة روحية للذات”. المجلة الدولية للفلسفة واللاهوت، 2020.
كوسمالا، كاتارزينا وماكيرنان، جون ف. “من العناية بالذات إلى العناية بالآخر: جوانب مهملة من أعمال فوكو المتأخرة”. مجلة المحاسبة والمراجعة والمساءلة، 2011.







