فرانسيس كيري يصل إلى شمال ألمانيا ومعه متحف إيرهاردت للأخشاب والأرض المدكوكة

متحف إيرهاردت: حوار معماري بين الأصالة والحداثة في ريف ألمانيا

Home » الأخبار » متحف إيرهاردت: حوار معماري بين الأصالة والحداثة في ريف ألمانيا

في قلب الريف الهادئ لقرية “بلوشو” المطلة على بحر البلطيق، حيث تقف قلعة “شلوس بلوشو” التاريخية شاهداً على الماضي، ينهض متحف إيرهاردت ليس مجرد مبنى، بل بيان معماري معاصر. يمثل هذا الصرح، الذي صممه المهندس فرانسيس كيري، أول متحف له في أوروبا وأول مشروع ثقافي له في ألمانيا، مخصصاً لإحياء إرث المصور ألفريد إيرهاردت وأعمال حركة “الموضوعية الجديدة”. هنا، لا يقتصر الدور على عرض الفن، بل على خلق حوار متجذر بين العمارة والطبيعة، وبين التراث والحاضر، من خلال لغة مادية صادقة وضبط مكاني دقيق.

Museum Ehrhardt Francis Kéré
جدار مركزي من التراب المدكوك يحدد الإيقاع المكاني لقاعات العرض

السياق والتكامل: بناء حديث في أحضان التاريخ

لا ينعزل المتحف الجديد بمساحته البالغة 1400 متر مربع عن محيطه، بل ينسج نفسه بعناية ضمن النسيج العمراني لقرية بلوشو. مجاوراً للقلعة التاريخية التي تحوّلت إلى مقرّ لإقامة الفنانين والمعارض، يضيف المتحف طبقة معمارية جديدة للقرية. بدلاً من الصراخ بلسان الحداثة، يختار المبنى الهمس، من خلال التفاعل مع المناظر الطبيعية المحيطة، مما يشجع الزائر على تأمل هذا التواصل الهادئ بين عمارة القلعة القديمة وكتلة المتحف المعاصرة، وكأنهما يحكون قصة واحدة بلهجتين مختلفتين.

Museum Ehrhardt Francis Kéré
يقدم متحف إيرهاردت في بلوشو أول متحف لفرانسيس كيري في أوروبا

المادة والهيكل: فلسفة البناء المستدام

في صميم تجربة المتحف تقف مواد البناء كلغة رئيسية. يعتمد التصميم بشكل أساسي على مواد محلية ومستدامة، هي الخشب والطين والأرض المدكوكة، في إحياء للحرف الإقليمية وتقليل للأثر البيئي.

· العمود الفقري الترابي: يُحدد هوية المساحة الداخلية من خلال جدار مركزي طويل مصنوع من الأرض المدكوكة. لا يقتصر دور هذا الجدار ذو النسيج الخشن على تقسيم الفراغ وتنظيم إيقاع صالات العرض فحسب، بل يعمل أيضاً كمنظّم مناخي طبيعي. تسمح الكتلة الحرارية للجدار بامتصاص الحرارة والرطوبة ثم إطلاقها، مما يساهم بشكل فعّال في تحقيق استقرار الظروف المناخية داخل قاعات العرض، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على المقتنيات الفنية الحساسة.
· الهيكل الخشبي القابل للحياة: فوق هذا الأساس الترابي، يمتد هيكل خشبي خفيف عبر عرض المبنى بالكامل. تم تطوير هذا الإطار بالتعاون مع مهندسين من هونج كونج باستخدام أخشاب نمساوية، ليجسّد مزيجاً بين دقة الحرفية التقليدية والدقة الهندسية العصرية. الأهم من ذلك، أن الهيكل مصمم للتفكيك وإعادة الاستخدام في المستقبل، مما يجعله نموذجاً عملياً للاقتصاد الدائري في العمارة، حيث تُقدّم الأولوية لقابلية التكيف وإطالة العمر الافتراضي للمواد، بدلاً من الهدم وإنتاج النفايات.

Museum Ehrhardt Francis Kéré
إطار خشبي مصمم بالتعاون مع HK Architekten يسمح بإعادة الاستخدام في المستقبل

العمارة والطبيعة: سقفٌ حديقةٌ وجلدٌ أرضي

· حديقة السطح: يشكل السقح منصةً لـ حديقة علوية، لا تقدم فقط مساحة خضراء إضافية، بل تعمل كوسيط بصري وبيئي يربط المبنى بحقول والسماء المحيطة. هذه الحديقة لا تزين فقط، بل تساهم في عزل المبنى وتعزيز التنوع الحيوي المحلي.
· إدارة المياه الطبيعية: على مستوى الأرض، تُصمم الحدائق الخارجية بتحوّلات طوبوغرافية دقيقة. وظيفة هذه التصميم الذكي هي توجيه مياه الأمطار بشكل طبيعي إلى مناطق تجميع محددة. بهذه الطريقة، يقلل المتحف من اعتماده على شبكات المياه الخارجية، ويدعم الغطاء النباتي المحيط الذي يعمل بدوره على تلطيف المناخ المحلي للمبنى. هنا، يذوب الفاصل بين العمارة والمناظر الطبيعية، ليتشكلا كائناً بيئياً واحداً متكاملاً.

Museum Ehrhardt Francis Kéré
تعمل الكتلة الحرارية للجدار على تثبيت الرطوبة ودرجة الحرارة في جميع أنحاء المبنى

✦ رؤية تحليرية من ArchUp

يتبنى متحف إيرهاردت مقاربة تجريبية في دمج الأنظمة البيئية السلبية ضمن نسيج متحفي، من خلال الاعتماد على جدار أرضي ككتلة حرارية أساسية. يثير هذا الاختيار تساؤلات حول مدى كفاءة هذا النظام الوحيد في الحفاظ على استقرار مناخي دقيق داخل صالات العرض، خاصة مع تقلبات مناخ بحر البلطيق الرطبة، مما قد يضع أعباء تشغيلية إضافية على أنظمة التكييف المساعدة ويطرح تحديات لضمان الحماية المثلى للمجموعات الفنية الحساسة على المدى الطويل. كما أن الشكل العام المستمد من السقوف الجملونية المحلية، رغم الاندماج، يظهر ككتلة منغلقة على ذاتها إلى حد ما، تقلل من إمكانية خلق تواصل بصري ديناميكي بين الداخل والخارج النوافذ التقليدية. ومع ذلك، تظهر إيجابية جوهرية في المبدأ التصميمي للهيكل الخشبي الرئيسي القابل للتفكيك وإعادة الاستخدام، والذي يحدد سابقة عملية في تقليل النفايات المستقبلية ويضمن إطالة دورة حياة المواد بشكل ملموس.

مقدم لكم من فريق تحرير ArchUp

من هنا يبدأ الإلهام. تعمق في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والبحث، والمدن، والتصميم، والمشاريع الرائدة على ArchUp.

Further Reading from ArchUp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *