مشروع TreeBOX يعيد صياغة مفهوم الملجأ الخشبي من خلال الموروث المحلي
إعادة تفسير الموروث المحلي: من آلية التبن إلى الديناميكية الفراغية
لا يبدأ التحليل المعماري لمشروع TreeBOX من مجرد مقصورة خشبية معلقة بين الأشجار، بل من قراءة معاصرة لتجربة نفعية متجذرة في البيئة الجبلية لإقليم بييمونتي. يستلهم استوديو Officina82 حظائر التبن التقليدية المعروفة باسم “البارتشي”، خاصة منطقها الإنشائي القائم على إمكانية تغيير علاقة السقف بالفراغ المحيط. تتحول هذه الفكرة التراثية إلى عنصر معماري ديناميكي يعيد صياغة العلاقة بين المستخدم والطبيعة؛ فعند تغير وضعية السقف، يتبدل إدراك حدود المقصورة بين حالة الاحتواء والانغلاق النسبي وحالة الانفتاح المباشر على مظلة الأشجار. لا تقتصر هذه الحركة على الجانب الوظيفي، بل تسهم في ضبط دخول الضوء الطبيعي وحركة الهواء، حيث تسمح الفواصل الخشبية بتكوين أنماط متغيرة من الظلال تتفاعل مع تغير مسار الشمس خلال اليوم.
السينوغرافيا الحركية والتجربة الحسية بين أوراق البلوط
تتشكل تجربة TreeBOX من خلال موقعها المرتفع بين تيجان أشجار البلوط، حيث يصبح الانتقال إليها جزءاً من إدراك المكان وليس مجرد حركة وصول وظيفية. يساهم استخدام الخشب المحلي في تعزيز الارتباط بالسياق الطبيعي، إذ تمنح مادته وملمسه حضوراً حسياً يتناغم مع البيئة الجبلية المحيطة. كما تتيح البنية القابلة للتعديل للمستخدم تغيير درجة انفتاحه على المشهد الخارجي وفق الظروف المناخية، لتتحول المقصورة من مساحة مغلقة إلى وسيط معماري يتفاعل مع الضوء والهواء وحركة الطبيعة المحيطة.


الانصهار العضوي والكتلة متعددة الأوجه
تتخذ المقصورة حضوراً خفيفاً بين الأشجار من خلال تكوين متعدد الأوجه يرتكز على أعمدة خشبية نحيلة، مما يقلل من أثرها البصري ويعزز اندماجها مع المشهد الطبيعي. ويمنح الغلاف الخشبي المتصل، الممتد عبر السقف والجدران والجزء السفلي من الكتلة، المشروع استمرارية مادية تجعل المبنى يبدو كامتداد للبيئة وليس كعنصر منفصل عنها. يتفاعل سطح الخشب مع تغيرات الإضاءة الطبيعية، فتتشكل ظلال متحركة على الأسطح المائلة، بينما يسمح الارتفاع عن الأرض بمرور الهواء حول المنشأة، مما يعزز إحساس الخفة والانفتاح.
العمودية الفراغية والتجربة الحسية في الداخل
يعتمد التنظيم الداخلي للمقصورة على استثمار الارتفاع الرأسي بدلاً من المساحة الأفقية المحدودة، حيث يتحول الامتداد العمودي الذي يتجاوز أربعة أمتار إلى عنصر أساسي في تشكيل التجربة الداخلية. تمنح ألواح الخشب الرقائقي المستخدمة في الجدران الفراغ حضوراً مادياً واضحاً، بينما تعمل الفتحة العلوية على إدخال الضوء وتوزيعه عبر الأسطح الداخلية. وتضيف الشبكة الحبلية المعلقة أسفل الفتحة بعداً تفاعلياً للفراغ، إذ توفر مساحة للاسترخاء ضمن مستوى وسيط بين أرضية المقصورة والسماء، مما يعزز الإحساس بالعزلة والارتباط بالمحيط الطبيعي.


الحوار البصري والاندماج مع الأفق الطبيعي
تقوم تجربة الإقامة داخل TreeBOX على علاقة مباشرة بين الداخل والمشهد الخارجي، حيث تعمل النوافذ الممتدة على تعزيز الاتصال البصري مع الغابة والأفق الجبلي. يضع هذا التكوين المستخدم في مواجهة مستمرة مع تغيرات المشهد الطبيعي، من حركة الضوء خلال ساعات النهار إلى تغير حضور الأشجار مع اختلاف الظروف الجوية. بذلك لا يصبح الإطار الخارجي مجرد منظر خلفي، بل يتحول إلى عنصر أساسي في تشكيل التجربة الفراغية، حيث تتكامل شفافية الغلاف مع دفء المادة الخشبية لإنتاج حالة من الهدوء والارتباط بالمكان.
التحول السينوغرافي بين الإضاءة والامتداد الخارجي
تمتد التجربة الفراغية للمشروع إلى الشرفة الخارجية التي تعمل كمنطقة انتقال بين الداخل والمحيط الطبيعي، حيث تسمح للمستخدم بالتفاعل المباشر مع الهواء والمشهد المحيط. ومع حلول الليل، يتغير إدراك الكتلة من خلال الإضاءة الهادئة التي تبرز حضورها داخل الغابة دون أن تفصلها عن محيطها. يخلق هذا التحول بين الحضور النهاري الهادئ والظهور الليلي الأكثر وضوحاً طبقات زمنية مختلفة لتجربة المكان، فتكتسب المقصورة هوية متغيرة تتفاعل مع إيقاع البيئة المحيطة.


التأصيل السياقي وإعادة إحياء النسيج الجبلي
لا تقدم TreeBOX نفسها كعنصر معزول داخل الطبيعة، بل كجزء من رؤية أوسع مرتبطة بمشروع Selucente لإعادة إحياء قرية Alpisella الجبلية من خلال تدخلات تحترم الخصائص البيئية والمكانية للموقع. يعتمد المشروع على إعادة قراءة عناصر البناء المحلي، ليس عبر استنساخ أشكاله التقليدية، بل من خلال تحويل مبادئها إلى لغة معاصرة. ويظهر ذلك في اختيار المواد، وطريقة الارتكاز، والعلاقة بين الكتلة والمشهد الطبيعي، حيث تصبح العمارة وسيلة للحفاظ على ذاكرة المكان وإعادة تفسيرها ضمن سياق حديث.
الحوار بين الموروث الحرفي والمعاصرة المعمارية
تكشف TreeBOX عن إمكانية تحويل الموروث المحلي إلى تجربة معمارية معاصرة تتجاوز إعادة إنتاج الشكل التقليدي. فمن خلال استلهام منطق البارتشي وإعادة صياغته ضمن مقصورة مرتفعة بين أشجار البلوط في غاريسيو، يقدم المشروع نموذجاً يعتمد على التوازن بين الأداء الوظيفي والحضور الحسي. يصبح الانتقال الرأسي داخل هذا الملاذ الخشبي حواراً مستمراً بين مادية الخشب المحلي والانفتاح على المشهد الجبلي، ليمنح المستخدم تجربة قائمة على البساطة والسكينة والارتباط العميق بالمكان.




✦ تحليل ArchUp التحريري
تعيد TreeBOX تعريف البناء المحلي بوصفه آلية فراغية قابلة للتكيف، حيث تُحوّل منطق حظائر التبن التقليدية في بييمونتي إلى ملاذ خشبي مرتفع يستجيب للمناخ والمشهد الطبيعي. يكشف الغلاف الخشبي المتحرك والتنظيم الرأسي للمقصورة عن قدرة العمارة المعاصرة على استعادة المعرفة المحلية عبر دقة المادة، والاستجابة البيئية، وبناء علاقة حسية مع الأنظمة الطبيعية.
لكن هذا الطرح قد يبالغ في تمجيد الموروث باعتباره حلاً مستداماً بحد ذاته. فالسرد الحرفي للمشروع قد يخفي تحديات الوصول، وقابلية التوسع، ومتطلبات الصيانة المرتبطة بالتدخلات الخشبية المتخصصة. ضمن سياقات المدن، تطرح هذه الملاذات المنعزلة تساؤلات حول قدرة الذاكرة الإقليمية على التأثير في نماذج الإسكان والبنية العمرانية الأوسع دون تحولها إلى تجربة نخبوية. يكشف ذلك الفجوة بين الرموز البيئية والأداء المطلوب لإنتاج معماري مرن واسع النطاق.







