جناح UNFOLD كمقاربة معمارية لدورة المواد وإعادة تعريف العمارة المؤقتة
في معظم المعارض، تنتهي العمارة المؤقتة بمجرد انتهاء الحدث؛ إذ تُفكك الكتل التي استضافت الزوار وتختفي من المشهد وكأنها لم تكن. وبينما تتزايد الخطابات المرتبطة بالاستدامة، يظل هذا المصير السريع للأجنحة المؤقتة أحد أكثر التناقضات حضورًا في المشهد المعماري المعاصر، حيث تُصمم العديد من المنشآت لتأثير بصري آني أكثر من تصميمها لدورة حياة ممتدة.
عمارة تتجاوز لحظة العرض
يتعامل جناح UNFOLD مع هذه الإشكالية من منظور مختلف، لا عبر الخطاب النظري بل من خلال طبيعة تكوينه المادي. فمنذ اللحظة الأولى، لا يُقرأ الجناح كجسم مغلق يرتبط بزمن معرض محدد، بل كمنظومة قابلة للتحول وإعادة التشكيل. وعند التجول حوله، تظهر الكتلة وكأنها في حالة انفتاح مستمر، ما يخلق علاقة بصرية متغيرة بين الفراغ الداخلي والمحيط الخارجي.
وفي الوقت نفسه، ترتبط تجربة الحركة داخل الجناح بفكرة الاستمرارية أكثر من الوجود المؤقت؛ إذ لا يشعر المستخدم بأنه يعبر منشأة صُممت للاستهلاك السريع، بل بنية يمكن أن تنتقل من سياق إلى آخر دون أن تفقد وظيفتها أو قيمتها المادية. وهنا تتحول الاستدامة من مفهوم نظري إلى تجربة فراغية ملموسة تعيد التفكير في معنى المؤقت والدائم داخل العمارة المعاصرة.


منطق المستودع بوصفه لغة معمارية
يعتمد الجناح على مقاطع الألمنيوم الصناعية بوصفها مادة خام تحتفظ بهويتها الأصلية دون محاولة إخفائها أو تجميلها. غير أن أهمية المشروع لا تكمن في المادة نفسها بقدر ما تكمن في المرجعية التي استُلهم منها التصميم؛ فبدلاً من استلهام الشكل من المنتج النهائي، يستعير الجناح منطقه من بيئة التخزين والتنظيم التي توجد فيها هذه المقاطع عادةً. وهكذا تتحول أنماط التكديس والتكرار والإيقاع إلى عناصر معمارية تصوغ الفراغ وتحدد حضوره البصري.
وعند الاقتراب من الجناح، لا تُقرأ المقاطع كعناصر إنشائية منفصلة، بل كطبقات متتابعة تُنتج إحساسًا بالعمق والحركة. وتتبدل العلاقة بين الضوء والكتلة مع تغير موقع المشاهد، حيث تتداخل الظلال الخطية مع الفراغات البينية لتشكّل مشهدًا متغيرًا باستمرار، يعكس طبيعة المادة الصناعية ويمنحها بعدًا مكانيًا يتجاوز وظيفتها الأصلية.
فراغ مفتوح بين الظل والرؤية
يتخذ الهيكل تكوينًا مروحيًا يسمح بامتداد المقاطع إلى الخارج في طبقات متعاقبة ترسم حدودًا مرنة للفراغ. ومن داخل الجناح، لا يشعر الزائر بوجود جدار صريح يفصل الداخل عن الخارج، بل بعتبة بصرية متدرجة تسمح للهواء والضوء والحركة بالمرور عبرها بدرجات متفاوتة. وبهذا تصبح الحدود أقل صلابة وأكثر ارتباطًا بالتجربة الحسية للمكان.
كما تلعب كثافة المقاطع دورًا أساسيًا في توجيه الرؤية وصناعة المشهد الداخلي. ففي بعض المواضع تتقارب العناصر لتولّد مناطق أكثر ظلًا وتركيزًا، بينما تنفتح في مواضع أخرى لتسمح بامتدادات بصرية أوسع. ومع الحركة حول الجناح، يتغير إدراك الكتلة بصورة مستمرة؛ فتبدو أحيانًا كثيفة ومتماسكة، ثم تتحول إلى بنية أكثر خفة وشفافية. هذه التحولات لا تعتمد على عناصر إضافية أو مؤثرات بصرية معقدة، بل تنشأ مباشرة من تنظيم المادة نفسها وطريقة توزيعها داخل الفراغ.


المستودع بوصفه واجهة معمارية لا خلفية مخفية
تقوم فكرة «مكتبة المواد الحية» على قلب العلاقة التقليدية بين ما يُعرض وما يُخفى. فبدلاً من التعامل مع المستودع بوصفه فضاءً خدمياً خارج نطاق الرؤية، يعيد الجناح تقديمه كخبرة مكانية مباشرة. هنا، لا تُخفى التفاصيل التقنية خلف طبقات تشطيب محايدة، بل تُعرض كما هي: المقاطع المكشوفة، والوصلات الظاهرة، والمنطق التجميعي الصريح، تتحول جميعها إلى عناصر تشكيلية تُعرّف هوية الفراغ.
هذا الانكشاف لا يعمل كاستعراض جمالي للمادة الصناعية، بل كتحويل لقيمة «الوظيفي» إلى لغة بصرية قابلة للقراءة. فكل عنصر إنشائي يُترك في موقعه الطبيعي دون إعادة تمثيل أو تزيين، ما يجعل التجربة أقرب إلى قراءة بنية معمارية وهي في حالتها الخام، بدلًا من مواجهتها كصورة منتهية الصقل. وهكذا يصبح الجناح مساحة تُعيد تعريف الجمال بوصفه نتيجة مباشرة للمنطق الإنشائي، لا كقشرة منفصلة عنه.
دورة مغلقة بدل البنية المؤقتة
لكن البعد الأكثر حسمًا في هذا المشروع لا يتعلق فقط بكيفية عرض المادة، بل بكيفية استمرارها بعد انتهاء العرض. فعند تفكيك الجناح، لا تنتهي حياة مكوناته، بل تُعاد إدارتها ضمن نظام دائري يعيد إدخالها إلى سلسلة الاستخدام. سواء أُعيد تركيب الهيكل في موقع جديد أو أُعيدت المقاطع إلى مخزون الإنتاج، فإنها تبقى داخل دورة تشغيلية مستمرة دون أن تتحول إلى نفايات.
بهذا المعنى، لا يُبنى UNFOLD كجسم معزول بزمن محدد، بل كحلقة ضمن نظام أوسع لإعادة الاستخدام. عملية التفكيك نفسها لا تنتج «نهاية»، بل مرحلة انتقال. ومع هذا التحول، يُعاد تعريف الجناح المؤقت ليس كحدث عابر، بل كبنية قابلة للتكرار والتحوير، ما يضع النموذج التقليدي للأجنحة المعمارية أمام سؤال مباشر حول جدوى الفقد المادي الناتج عن نهايتها.




التصميم الدائري كمنطق تشغيل لا كشعار
يُعاد طرح مفهوم «التصميم الدائري» هنا خارج سياقه التسويقي المعتاد، كآلية تشغيل مادية وليست مجرد خطاب نظري. فـ UNFOLD لا يتعامل مع الدائرية كإضافة مفاهيمية تُلصق بالمشروع بعد اكتماله، بل كبنية مدمجة في صميم تكوينه. المقاطع المستخدمة ليست عناصر مُصممة خصيصًا لحالة واحدة، بل وحدات صناعية قياسية قابلة للدخول والخروج من أنظمة استخدام متعددة دون فقدان قيمتها.
ومنذ مرحلة التصميم الأولى، لم يُفصل منطق التفكيك عن منطق التشييد. فالهيكل لا يُفهم ككتلة مكتملة تُفكك لاحقًا، بل كتركيب مؤقت مُبرمج مسبقًا لإعادة التفكيك وإعادة التجميع. وبهذا تتحول عملية النهاية إلى جزء من البداية، ويصبح الزمن المعماري للمشروع غير خطي، بل دائريًا في جوهره، حيث لا توجد نقطة توقف بل انتقال مستمر بين حالات الاستخدام.
العمارة المؤقتة بوصفها مفارقة ثقافية
تقع العمارة المؤقتة في موقع متناقض داخل الثقافة المعاصرة؛ فهي مطالبة بأن تكون لافتة بما يكفي لتوليد حضور بصري سريع، وفي الوقت ذاته غير مكلفة وجوديًا إلى حد يسمح بإزالتها دون حسرة مادية. في هذا الإطار، يقدّم UNFOLD مقاربة تتجاوز هذا التناقض عبر إعادة تعريف قيمة المؤقت نفسه، ليس كحل سريع العمر، بل كبنية قابلة للاستمرار عبر التحول.
لا يعتمد المشروع على خطاب استعراضي أو تعقيد شكلي، بل على إعادة تنظيم العلاقة بين المادة والوظيفة والزمن. فالقيمة هنا لا تُستمد من ثبات الشكل، بل من قابلية النظام للتكرار والتكيّف وإعادة الإدخال في سياقات جديدة. وبهذا المعنى، لا تحتاج البنية إلى أن تكون دائمة كي تُقرأ كعمل معماري مكتمل؛ يكفي أن تكون منضبطة في منطقها، مدركة لدورتها، وقادرة على الاستمرار خارج لحظة عرضها الأولى.


✦ تحليل ArchUp التحريري
يعمل جناح UNFOLD بوصفه عرضًا سريريًا لعرض أعراض تحول بنيوي أوسع داخل منظومة العمارة المرتبطة بالمعارض، حيث يتم امتصاص المنشآت المؤقتة تدريجيًا ضمن اقتصادات مواد بناء دائرية وبُنى لوجستية ما بعد الحدث. يكشف تراكب البيانات غير المعمارية، مثل توحيد مقاطع الألمنيوم الصناعية، وإمكانية إعادة التدوير اللوجستي، وحسابات دورة الحياة، عن حالة لم تعد فيها عملية إنتاج الفراغ محكومة بالتمثيل الشكلي، بل بكفاءة تدفق المادة عبر النظام. يخلق ذلك ضغطًا بنيويًا يعيد تشكيل إطار القرار المؤسسي خلف تصميم الأجنحة، بحيث تُمنح الأولوية لقابلية الفك وإعادة الاستخدام وإعادة الإدراج في المخزون بدلًا من الديمومة المكانية الأحادية. ضمن هذا السياق، ينتقل دور المعمار من الابتكار الشكلي إلى تنسيق بروتوكول تشغيل مدمج داخل عمليات التصميم.
ينتج عن ذلك تكوين معماري هو في جوهره نتيجة منطقية مباشرة لهذا الإطار التشغيلي: كتلة شعاعية شبه منفذة مكوّنة من مقاطع ألمنيوم معيارية، حيث تُنتج الحدود الفراغية عبر تدرجات الكثافة بدلًا من أن تعتمد على الإغلاق الصلب. يعمل التنظيم الفراغي للجناح كنظام قابل للعكس، مُعاير لعمليات التفكيك وإعادة الإدراج في سلاسل الإمداد، بما يتماشى مع اعتماد المدن لعام 2026 بشكل متزايد على بنى تحتية مرنة وقابلة لإعادة التكوين. ضمن هذا السياق، يتحول دور المعماري إلى مسؤولية ائتمانية تجاه “ما بعد حياة المادة”، حيث لا تنتهي مؤلفية التصميم عند تشكيل الفراغ، بل تمتد إلى إدارة دورة حياته، في إشارة إلى انتقال نهائي في الممارسة المعمارية من إنتاج “الشيء” إلى إدارة “النظام”.







