فيلا دو كوندي تستكشف التفاعل بين الذاكرة العمرانية والتكوين المعماري الجديد
حوار الكتل والذاكرة العمرانية
تقوم الفكرة المعمارية على إعادة قراءة الموقع من خلال التوفيق بين العناصر القائمة والإضافة المعاصرة في فيلا دو كوندي، شمال البرتغال. ففي المنزل المنفصل، حُوفظ على الواجهة القديمة ذات الطابق الواحد باتجاه شارع Comendador، بينما تراجعت كتلة الطابق الثاني عن خط الشارع. يتيح هذا التراجع الابتعاد عن المبنى المقابل، كما يفتح مجالًا لرؤية سقف Capela dos Passos في الجهة الشمالية. وبهذه المعالجة، لا تُمحى الواجهة القائمة لصالح الإضافة الجديدة، بل تصبح جزءًا من تكوين يربط بين المبنى القائم والكتلة المعاصرة والمشهد العمراني المحيط.
التجربة الفراغية والانتقال بين العام والخاص
يجمع المشروع بين منزل لأسرة واحدة ومبنى سكني مخصص للإيجار يضم شقتين ووحدة تجارية. وينعكس هذا الاختلاف الوظيفي على تنظيم المشروع وعلاقته بالشارع؛ إذ تتجاور الوظيفة التجارية مع المستويات السكنية، بينما تتوزع الوظائف المنزلية وفق درجات متفاوتة من الاستخدام والخصوصية. ولا يعتمد التكوين على فصل الكتل فحسب، بل على تنظيم العلاقة بينها وبين الفراغات المفتوحة المحيطة بها، بما يتيح انتقالًا تدريجيًا من المجال الحضري إلى المجال السكني الداخلي.


التنظيم الفراغي وإدارة الضوضاء
يعتمد توزيع الفراغات في المنزل على وضع الممرات والسلالم بالقرب من واجهة الشارع، وهو تنظيم يرتبط مباشرة بمعالجة ضوضاء حركة السيارات. وفي المقابل، تتجه مساحات المعيشة الرئيسية نحو الحديقة الخاصة في الداخل، التي تضم مسبحًا ومبنىً ثانويًا صغيرًا وتحيط بها جدران الغرانيت القائمة. بذلك يصبح توزيع الوظائف وسيلة للفصل بين الجهة الأكثر تعرضًا للحركة في الشارع والجهة الداخلية الأكثر ارتباطًا بالحديقة، مع الاستفادة من العناصر القائمة في تشكيل حدود الفضاء الخارجي.
الديناميكية الوظيفية والانكشاف البصري
يتوزع البرنامج السكني للمنزل على مستويين وفق احتياجات وظيفية مختلفة. يضم الطابق الأرضي مرآبًا يتسع لسيارتين، وغرفة للغسيل، وغرفة معيشة متصلة بالمطبخ، وحمامًا، ومنطقة تقنية، إضافة إلى غرفة نوم للضيوف مزودة بحمام خاص. أما الطابق العلوي فيضم الجناح الرئيسي مع حمامه وغرفتي ملابس، وثلاث غرف نوم أصغر، لكل منها حمام خاص، إلى جانب مكتب يقع في الجهة الجنوبية. وينفتح المكتب على تراس واسع يوجّه النظر نحو المدينة، ليشكل هذا الامتداد الخارجي جزءًا من علاقة المستوى العلوي بالمشهد العمراني المحيط.




التكيّف مع النسيج العمراني
يتعامل المبنى الثاني، المخصص للإيجار، مع النسيج العمراني لشارع Conde D. Mendo من خلال الحفاظ على بعض العناصر القائمة ضمن تكوينه الجديد. ويشمل ذلك الجدار الحجري الموجود وركن Alminhas de São José، اللذين يظلان جزءًا من المشهد القائم بدل استبدالهما بالكامل بالكتلة المعاصرة. وفي الطابق الأرضي، يقع موقف السيارات خلف الجدار الحجري إلى جانب وحدة تجارية أو خدمية ذات مدخل مستقل. أما المستويات العليا فتخصص للسكن، بما يحافظ على تدرج وظيفي واضح بين النشاط المرتبط بالشارع والوظيفة السكنية.
التوجيه البصري وضبط الخصوصية
تتوزع شقتا المبنى الثاني، المكونتان من غرفتي نوم، على الطابقين العلويين، وتنفتح كل منهما على شرفة واسعة باتجاه المدينة، مع إمكانية رؤية Igreja Santa Clara. وفي الجهتين الجانبية والخلفية، تضيف الأفنية المعلقة طبقة أخرى إلى تنظيم المبنى، إذ تتيح إدخال الضوء الطبيعي إلى المساحات الداخلية وتساهم في تنظيم العلاقة بين الكتلة المبنية والفراغات المحيطة بها. وبهذا يتشكل توازن بين الانفتاح نحو المدينة والانكفاء نحو الداخل، دون أن يعتمد المشروع على عزل كامل عن المحيط أو على انفتاح مطلق عليه.



✦ تحليل ArchUp التحريري
يتعامل المشروع مع النسيج القائم بوصفه قيدًا فراغيًا فاعلًا، لا مجرد أثر تاريخي محفوظ. فالإبقاء على الواجهة ذات الطابق الواحد، وجدران الغرانيت، وركن المزار القائم، يؤسس علاقة تفاوضية بين الهندسة الموروثة والكتلة المعاصرة. وتحول التراجعات والتراسات والأفنية والتوزيع الوظيفي هذه المعطيات إلى أدوات للخصوصية والعزل الصوتي والتوجيه البصري، ضمن نقاشات أوسع حول العمارة والمدن.
لكن هذا التوفيق قد يبالغ في افتراض استمرارية الذاكرة. فالحفاظ على أجزاء من النسيج لا يعني بالضرورة صون دورها الثقافي؛ إذ يمكن اختزالها إلى عناصر تشكيلية تستوعبها بنية سكنية واقتصادية جديدة. ويكشف المبنى الثاني هذا التوتر بوضوح، حين يحول شروط الشارع التاريخية إلى مساكن للإيجار وواجهة تجارية. وهكذا تصبح الذاكرة العمرانية، رغم بقائها ماديًا، جزءًا من منظومة جديدة لإدارة المشهد والخصوصية والقيمة العقارية.







