مشروع “كينديرواز آن دير توم” يعكس رؤية معمارية لتنظيم فراغات الطفولة داخل المدينة
السينوغرافيا الفراغية والامتداد الرأسي
تتجلى الفكرة المعمارية لمشروع “كينديرواز آن دير توم” في إعادة تعريف مفهوم مراكز الرعاية النهارية عبر تبني تنظيم رأسي للفراغات، بما يخلق تجربة حركة تختلف عن النمط الأفقي التقليدي. ينتقل المستخدم داخل المبنى عبر مستويات متتابعة صُممت بما يتناسب مع مقياس الأطفال، حيث تتحول الممرات وعناصر الحركة الرأسية إلى مساحات تفاعلية تتجاوز وظيفتها بوصفها وسائل انتقال بين الطوابق. ويمنح هذا التنظيم المكاني المستخدم تجربة بصرية متجددة أثناء التنقل، تعزز الإحساس بالاكتشاف والانسيابية، كما يدعم الهدف الوظيفي للمشروع في توفير بيئة تربوية متكاملة لأبناء الكوادر الأكاديمية بالقرب من أماكن عمل ذويهم، ليقدم نموذجاً مميزاً ضمن مشاريع معمارية معاصرة.
التفاعل المادي للخشب وأثره على البيئة الداخلية
يشكل الاعتماد شبه الكامل على الخشب لغة مادية واضحة تنعكس مباشرة على المشهد الداخلي للمبنى؛ إذ تسهم أسطحه الطبيعية في تشكيل تدرجات الضوء والظل، بما يضفي دفئاً بصرياً ينسجم مع تغيرات الإضاءة الطبيعية على مدار اليوم. كما يعزز حضور الخشب الإحساس بالقرب من الطبيعة، ليخلق بيئة داخلية مريحة تتوافق مع طبيعة المشروع ووظيفته. ويعكس هذا التوظيف الواعي للمواد رؤية معمارية تتجاوز الجانب الجمالي، من خلال دمج مبادئ الاستدامة مع متطلبات الراحة الوظيفية والحسية داخل المبنى، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمجال مواد بناء المستدامة والتصميم الداخلي.
| البيان | التفاصيل |
|---|---|
| المهندسون المعماريون | Hermann Kaufmann + Partner، Kéré Architecture |
| المساحة | 1540 مترًا مربعًا |
| سنة الإنجاز | 2026 |
| الصور | إيفان بان، إريك يان أويركيرك |
| المهندس الرئيسي | دييبيدو فرانسيس كيري |
| التصنيف | العمارة التعليمية، مراكز الرعاية النهارية |
| شريك الإنشاء الخشبي والتخطيط التنفيذي | HK Architekten – Hermann Kaufmann + Partner ZT GmbH |
| الهندسة الإنشائية، الحماية من الحرائق، فيزياء المباني | البروفيسور شتيفان فينتر (جامعة ميونيخ التقنية TUM) / bauart Konstruktions GmbH & Co. KG |
| كفاءة الطاقة | البروفيسور توماس أوير (جامعة ميونيخ التقنية TUM) |
| الخدمات الهندسية للمباني | ITG-Ingenieurgesellschaft für TGA mbH |
| تخطيط المناظر الطبيعية | JÜHLING & KÖPPEL Landschaftsarchitekten |
| إدارة التنفيذ | GAPP GmbH |
| المدينة | ميونيخ |
| الدولة | ألمانيا |



الاستجابة للسياق العمراني والعزل الصوتي
فرض الموقع المحصور للمشروع، الذي كان يشغل سابقاً موقفاً للسيارات بين الحرم الجامعي الرئيسي ومبنى الكافتيريا، تحديات معمارية مرتبطة بحركة المرور والضوضاء المحيطة. واستجابة لذلك، جاء المبنى مكوّناً من خمسة طوابق؛ يضم الطابق الأرضي منطقة الاستقبال والمكاتب الإدارية، بينما وُزعت الفئات العمرية للأطفال عمودياً بحيث تشغل كل فئة طابقاً مستقلاً، بما يوفر تنظيماً وظيفياً واضحاً ويعزز خصوصية الاستخدام.
وفي هذا السياق، يؤدي “الملعب الرأسي” دوراً محورياً يتجاوز كونه وسيلة انتقال بين المستويات؛ إذ تربط الزلاقات الطوابق المختلفة بأسلوب يشجع على الحركة واللعب، بينما يشكل هذا الجزء من المبنى حاجزاً صوتياً يحجب ضوضاء الشارع عن الغرف التي تتطلب بيئة أكثر هدوءاً، جامعاً بين الكفاءة الوظيفية وإثراء التجربة المكانية، بما يعكس أهمية التصميم في معالجة التحديات العمرانية.
الامتداد الحسي والدمج المستقبلي للأسطح
تتواصل التجربة المكانية صعوداً عبر الطوابق الوسطى والعليا التي تضم المساحات المشتركة المخصصة للعب والأنشطة الرياضية وتناول الوجبات، وصولاً إلى شرفة السطح المغطاة جزئياً والمعروفة باسم “مرج السماء” (Himmelswiese). توفر هذه المساحة للأطفال فرصة للتفاعل مع الهواء الطلق وأشعة الشمس، إلى جانب إطلالات مفتوحة على المدينة، لتشكل امتداداً طبيعياً للأنشطة الداخلية.
كما يطرح مكتب Kéré Architecture تصوراً مستقبلياً لتوسعة هذه الشرفة وربطها بسطح الكافتيريا المجاور عبر زلاقة، في خطوة تهدف إلى تحويل الأسطح المنفصلة إلى فضاء مشترك يعزز التواصل بين الأطفال والطلاب والعاملين داخل الحرم الجامعي.


الكفاءة الإنشائية والاستدامة المادية
يتجسد العمق المعماري للمشروع في الجمع بين البساطة الإنشائية والكفاءة الأدائية، حيث طُوّر بالتعاون مع المتخصصين النمساويين في الإنشاءات الخشبية HK Architekten. وقد شُيّد المبنى بالكامل تقريباً باستخدام الخشب، باستثناء درج الطوارئ الجنوبي والأساسات، في تجسيد واضح لنهج يهدف إلى تقليل البصمة الكربونية والاستفادة من المواد المستدامة بوصفها عنصراً إنشائياً رئيسياً.
ومنذ المراحل الأولى للتصميم، شكلت كفاءة الطاقة، والراحة الحرارية، والسلامة من الحرائق، والأداء الصوتي الأسس التي بُني عليها المشروع، لتوفير بيئة داخلية متوازنة تعكس فلسفة Kéré Architecture القائمة على توظيف الحلول البسيطة لتحقيق أعلى مستويات الجودة والكفاءة، وهو توجه يحظى باهتمام واسع في أبحاث معمارية.
مقياس الطفل والتجربة الحركية
تتمحور هوية المشروع حول الأطفال باعتبارهم المستخدمين الرئيسيين للمبنى، وهو ما ينسجم مع رؤية المعماري فرانسيس كيري التي تضع احتياجاتهم في صميم العملية التصميمية. ويتيح الملعب الرأسي للأطفال التنقل بحرية بين الطوابق عبر الجري والتسلق والانزلاق، لتتحول الحركة اليومية إلى جزء من تجربة تعليمية وترفيهية متكاملة تعزز الفضول والتفاعل الجماعي.
وبذلك تقدم “كينديرواز آن دير توم” نموذجاً معمارياً يبرهن قدرة التصميم الذكي على تحويل موقع حضري محدود المساحة إلى بيئة غنية بالتجارب الحسية والحركية، تمنح الأطفال فضاءات آمنة ومحفزة، وتعيد صياغة مفهوم مراكز الرعاية النهارية بوصفها بيئات تعليمية متكاملة تتناغم مع محيطها الجامعي.


✦ تحليل ArchUp التحريري
يعيد مشروع “كينديرواز آن دير توم” تعريف مركز الرعاية النهارية بوصفه منظومة تعليمية رأسية، حيث تتحول الحركة بين المستويات إلى جزء من التجربة التربوية بدلاً من كونها مجرد وسيلة انتقال. ويتكامل البناء الخشبي، والمعالجة الصوتية، والتسلسل الفراغي المتدرج لتشكيل بيئة مدمجة تستثمر ضيق الموقع الحضري وتحوله إلى فرصة معمارية. ويبرهن المشروع كيف يمكن لـالعمارة ومواد البناء أن تتكاملا لتعزيز الأداء البيئي دون المساس بجودة التجربة المكانية، كما يرسخ مكانته ضمن أبرز المباني التعليمية المعاصرة.
ومع ذلك، فإن الاحتفاء بالحركة الرأسية قد يغفل التحديات التشغيلية التي تفرضها مرافق رعاية الأطفال متعددة الطوابق. فالاعتماد المكثف على مسارات الحركة العمودية يزيد من تعقيدات الإشراف، والإخلاء، والصيانة طويلة الأمد، وهي اعتبارات لا تكفي المعالجة الفراغية وحدها لحلها. فنجاح هذه النماذج يقاس في النهاية بقدرتها على الحفاظ على الكفاءة التشغيلية والمرونة عبر سنوات الاستخدام المستمر، وليس فقط بتميزها التجريبي، وهي قضايا تتناولها باستمرار أخبار معمارية.







