منازل ستار في تنزانيا: إعادة ابتكار السكن الريفي لمكافحة الملاريا وتعزيز الاستدامة
في قلب إفريقيا جنوب الصحراء، وهي المنطقة التي من المتوقع أن يتضاعف عدد سكانها ليصل إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، أصبح الإسكان ساحة حاسمة للابتكار. ومع توقع انتقال 460 مليون شخص إلى المناطق الريفية، أصبحت الحاجة إلى منازل صحية ومستدامة ومنخفضة التكلفة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. يقدّم مشروع منازل ستار، القائم في منطقة متوارا جنوب تنزانيا، نموذجًا معماريًا ثوريًا يربط بين تصميم المساكن والصحة العامة، ليقدم مساكن لا توفر فقط المأوى، بل تقلل الأمراض، وتحسن الراحة، وتخفض الأثر البيئي – مما يجعله نموذجًا قابلاً للتكرار لمواجهة أزمة الإسكان الريفي في القارة.
لكل من يبحث عن مصدر معماري موثوق ومُحدث، يوفر موقع ArchUp محتوى متجددًا يغطي المشاريع، والتصميم، والمسابقات المعمارية.
رؤية مبنية على الصحة والمنطق المناخي
مشروع منازل ستار ليس مجرد تجربة معمارية، بل هو تقاطع بين العلم، والصحة العامة، والتفكير المعماري المستند إلى الطرز المحلية. بقيادة المعماري جاكوب كنودسن وخبير الصحة العامة لورينز فون سيدلين، يعترف المشروع بأن المنازل الريفية التقليدية في إفريقيا جنوب الصحراء تسهم في تدهور الصحة، فالغرف سيئة التهوية، والجدران التي تحتفظ بالحرارة، والأرضيات الترابية تهيّئ بيئة مثالية لانتقال الأمراض. بالمقابل، تستوحي منازل ستار تصاميمها من طرز جنوب شرق آسيا – هياكل خفيفة، مرتفعة، وقابلة للتهوية، تتفاعل بذكاء مع المناخ الحار والرطب.


من النموذج الأولي إلى التأثير القائم على البيانات
تم بناء النماذج الأولية الأولى عام 2015 في قرية ماجودا، تلاها بناء 110 منزلًا من منازل ستار عبر 60 قرية في منطقة متوارا لتوسيع الاختبار. وقد تم تصميم كل منزل ضمن منطق معياري صارم يسمح بإجراء مقارنات علمية دقيقة: لم يكن الهدف مجرد بناء منازل أفضل، بل جمع بيانات صحية على مدار سنوات.
ورغم أن المشاركة كانت طوعية، إلا أن الشكوك كانت حاضرة بقوة. رفضت بعض العائلات الانتقال، بينما استخدم آخرون المنازل بشكل جزئي. لمواجهة الشائعات، اندمج فريق المشروع في حياة القرى – نظموا مباريات كرة قدم، وأنتجوا مسرحية إذاعية للتوعية، وتعاونوا مع القيادات المحلية. ومع نهاية عام 2021، تم شغل جميع المنازل وبدأ جمع البيانات رسميًا.
مكاسب صحية وفوائد بيئية
رغم أن التقرير النهائي لا يزال قيد المراجعة العلمية، فإن النتائج الأولية تشير إلى أن نسبة الإصابة بالملاريا لدى الأطفال انخفضت بنسبة 30–40% في منازل ستار. كما انخفض وجود البعوض داخل المنازل بنسبة 50%، وأظهر الأطفال دون سن الخامسة تحسنًا في النمو، يُعزى على الأرجح إلى جودة النوم وتقليل التعرض للأمراض.
إضافة إلى ذلك، أظهرت المنازل أداءً بيئيًا ملحوظًا. وفقًا لتحليل دورة الحياة باستخدام نمذجة BIM، تم تسجيل:
- انخفاض بنسبة 37% في الكربون المجسد
- انخفاض بنسبة 40% في الطاقة المجسدة
- توفير بنسبة 70% في استخدام الخرسانة مقارنة بالمنازل الريفية التقليدية
هذه المؤشرات البيئية تشير إلى أن تعميم هذه المبادئ على جزء صغير فقط من 90 مليون منزل ريفي مطلوب بحلول 2050 يمكن أن يحقق وفورات ضخمة في الموارد.


نموذج قابل للتوسعة حتى عام 2050 وما بعده
ما يجعل منازل ستار مميزة هو قابليتها للتكرار. فهي مبنية من مواد محلية منخفضة التكلفة، ومصممة بشكل يسمح بالتصنيع المسبق، وقابلة للتكيف مع مختلف المناطق الريفية عبر إفريقيا. إنها تتحدى الافتراضات التقليدية بأن المساكن منخفضة الدخل يجب أن تكون مؤقتة أو تفتقر إلى التكنولوجيا. بل تقدم نموذجًا كريمًا ومتينًا يضع الصحة والبيئة في المقدمة دون التنازل عن النزاهة التصميمية.
يشجع هذا النهج المعماريين، ومخططي المدن، وواضعي السياسات على رؤية السكن الريفي كساحة رئيسية للابتكار. ويمثل نجاح منازل ستار دليلاً على ما يمكن تحقيقه عندما يُدمج التصميم المعماري مع العلم الصحي والانخراط المجتمعي الحقيقي.
✦ نظرة تحريرية من ArchUp
يمثل مشروع منازل ستار حالة ملهمة لدمج العمارة مع الطب الوقائي. فالمشروع لا يستجيب فقط لتحديات الصحة العامة، بل يتنبأ بها، ويغرس حلولًا داخل النسيج البنيوي للحياة اليومية. عبر المزج بين الابتكار المادي، والانضباط العلمي، والتعاطف الثقافي، تصبح هذه المنازل أدوات للشفاء والتعليم والحماية. وللمهندسين المعماريين الذين يعملون في المناطق المحرومة، يقدّم هذا النموذج مثالًا واضحًا على أن التصميم الجيد يمكنه تغيير مصير حياة الإنسان، خاصة عندما تتلاقى القابلية للتوسعة مع الحساسية المجتمعية.


خاتمة: العمارة كأداة للصحة الوقائية
في زمن تتسارع فيه وتيرة النمو السكاني وتتعمق فيه تحديات المناخ، تضع منازل ستار العمارة كأداة استباقية للصحة العامة. من خلال رفع معايير التصميم حتى في أبسط المساكن، يقدم المشروع مخططًا لتقليل الأمراض، وتمكين المجتمعات، وتقليل التأثير البيئي. ويؤكد أن العمارة الجيدة ليست حكرًا على المدن المتقدمة، بل يجب أن تبدأ من القرى، حيث الحاجة أعظم والإمكانيات التحولية أكبر.
استكشف المزيد مع ArchUp
يوثق ArchUp تطور مهنة المعماريين حول العالم، من نصائح المهنة والأبحاث إلى ملفات المشاريع وأخبار القطاع. ينشر فريقنا التحريري اتجاهات الرواتب العالمية، ونصائح وظيفية، وفرصًا للمواهب الصاعدة. تعرف على المزيد في صفحتنا التعريفية أو تواصل معنا للتعاون.