المدينة التي تعيش تحت المدينة
حين يصبح جمع الزجاجات البلاستيكية مرآةً لفشل التخطيط الحضري
في صباح يوم عادي في زغرب، تقترب سيدة مسنّة من حاوية القمامة بجانب الملعب البلدي. لا تبحث عن الطعام، ولا تمدّ يدها إلى ما هو مرمي. تمدّها فقط إلى الزجاجات البلاستيكية الشفافة — قوارير المياه والعصائر التي خلّفها المتفرجون. تضعها في كيس نظيف، تحسب عددها في ذهنها، ثم تمضي. إنها لا تأكل من القمامة؛ إنها تعمل فيها. والفارق بين المشهدين أدق مما نظنّ.
ما كشفته أبحاث متعددة من أوروبا وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة هو أن ظاهرة جمع زجاجات البلاستيك من النفايات والعائدات المرتبطة بإعادة تدويرها لم تعد حكرًا على طبقة اجتماعية بعينها. إنها تسلّلت بهدوء إلى الطبقة المتوسطة والدنيا في آنٍ واحد، لتصبح ظاهرة اقتصادية-اجتماعية مركّبة تتقاطع مع كل ما يعرفه التخطيط الحضري عن نفسه — وتفضح ما لا يعرفه.
الفراغ الذي لم يُصمَّم أحد
يمارس التخطيط الحضري مهنته انطلاقًا من افتراض أساسي: أن المدينة كيان رسمي له وظائف قابلة للتوقع والتنظيم. المحلات التجارية في الطوابق الأرضية، المكاتب في المناطق الوسطى، المصانع في الأطراف الصناعية، والسكن في الأحياء المخصصة. غير أن ما يغيب عن هذه الرؤية هو مدينة أخرى تعمل بالتوازي داخل الفراغات ذاتها التي يرسمها المخطط لأغراض مختلفة تمامًا: الرصيف أمام البناية، الزاوية خلف السوق، الفضاء الهامشي تحت الجسر.
هذه الفراغات لم تُهمَل بالصدفة؛ هي وُلدت مهملةً، لأن أدوات التخطيط الحضري التقليدية لا تمتلك تصنيفًا لها. ليست حديقة، ولا طريقًا، ولا وحدة وظيفية. لكنها أصبحت، بحكم الضرورة، المسرح الذي يجري عليه اقتصاد كامل غير مرئي. وحين تطالعنا الأبحاث الحديثة بأن الاقتصاد الدائري القائم على الحاجة — وهو مفهوم طوّرته كورسونوفا وزملاؤها في دراسة نشرتها دورية “التغيير البيئي العالمي” عام 2022 — لا يقتصر على الفقراء بل يمتد إلى شرائح وسطى تعيش ضغوطًا اقتصادية متصاعدة، فإن السؤال الذي يُلقى إلى المعماريين والمخططين لا يتعلق بمن يجمع الزجاجات، بل بأين يجمعها، وماذا يعني غياب البنية التحتية التي تستوعب هذا الفعل.
مدن بنت اقتصاداتها على الإهمال
لا يحتاج المرء إلى تقرير أكاديمي ليرى هذه الظاهرة. يكفيه أن يقف عند تقاطع مزدحم في القاهرة أو كراتشي أو لاغوس ليلاحظ كيف أن الأرصفة المتشققة والجدران الخلفية للعمارات الشاهقة تحوي نظامًا كاملًا من التخزين والفرز والبيع والتفاوض — كلها تدور حول مواد تعتبرها المدينة الرسمية “نفايات”.
ما رصده إيير وكاشياب في دراسة منشورة بمجلة “سلوك المستهلك” حول العلاقة بين الطبقة الاجتماعية وسلوك إعادة التدوير يكشف مفارقة عميقة: الطبقات ذات الدخل المنخفض تُبدي اتجاهات أكثر إيجابية نحو البيئة وإعادة التدوير، ولا تتردد في ممارستها فعليًا، أكثر من الطبقات المتوسطة والعليا. وهو ما يفكّك الأسطورة الثقافية السائدة بأن الوعي البيئي ترفٌ لا تستطيعه إلا الطبقات الميسورة. السبب بسيط: حين يكون الحافز اقتصاديًا مباشرًا — كما في أنظمة استرداد الودائع على زجاجات البلاستيك المعتمدة في كرواتيا وغيرها — يختفي الفارق الطبقي، ويتحول جمع القوارير إلى سلوك مقبول اجتماعيًا عبر الشرائح.
لكن ما لم يتحول بعد هو الفراغ المعماري الذي يستقبل هذا الاقتصاد. إنه ما زال فراغًا بالمعنى الحرفي للكلمة — لا تصميم، لا إضاءة، لا مأوى، لا اعتراف
لماذا تفشل مشاريع “تجميل المدينة”؟
في كثير من العواصم العربية والأفريقية، تُطلق بلديات وشركات استشارية مشاريع طموحة لـ”تجميل المشهد الحضري”. تُطلى الجدران، تُزرع الأشجار، تُزال الأكشاك غير المرخصة، وتُنظَّف الأرصفة من الباعة المتجولين. وفي غضون أشهر، يعود كل شيء إلى سابق عهده. يصفها المخططون بالفشل الثقافي، وينسبها آخرون إلى غياب الوعي. لكن ثمة تشخيص أكثر دقة.
ما رصده توماس وشارب في دراستهما الموسّعة حول تطبيع سلوك إعادة التدوير في المملكة المتحدة هو أن السلوك لا يتغير حين تُقدَّم له فقط المعلومات والأوامر؛ يتغير حين يجد البنية التحتية الملائمة. فحين وُفِّرت حاويات الكيرب سايد — أي حاويات الفرز الجانبية عند الأبواب — في المملكة المتحدة، ارتفعت نسبة المشاركة في إعادة تدوير الورق إلى ما يقارب 90% من الأسر. السلوك كان موجودًا، والنية كانت موجودة، لكن الفضاء المصمَّم لاستقباله لم يكن. وحين ظهر هذا الفضاء، تحوّل السلوك في غضون سنوات قليلة من هامشي إلى معياري.
مشاريع التجميل الحضري تفشل لأنها تتعامل مع الفراغ غير الرسمي باعتباره دخيلًا ينبغي إزالته، لا كجزء حقيقي من وظيفة المدينة ينبغي استيعابه وتنظيمه. إنها تصمم المظهر ولا تصمم النظام.
نحو بنية تحتية للاقتصاد غير الرسمي
إذا كانت مشكلة الفراغ غير الرسمي هي غياب التصميم، فإن الحل ليس استئصاله، بل الاعتراف به كمعطى حضري دائم يستحق مساحات مصمَّمة خصيصًا له. هذا ما يمكن تسميته “البنية التحتية للاقتصاد غير الرسمي” — وهي ليست فكرة مثالية بقدر ما هي ضرورة وظيفية.
تشمل هذه البنية على أدنى تقدير: نقاط جمع مصمَّمة داخل الأحياء السكنية — لا تختلف كثيرًا عن مراكز إعادة التدوير الموجودة في أوروبا — مع إضاءة كافية ومساحة لعمليات الفرز الأوّلي، ومسارات حركة واضحة لعربات الجمع، ومناطق تفاوض وبيع غير رسمية ضمن المخططات الحضرية بدلًا من خلف جدران العمارات. وهو ما يعني، في جوهره، أن المخطط الحضري ينبغي أن يسأل في كل مشروع جديد: أين سيجمع العمال غير الرسميين مستلزماتهم؟ وأين سيفرزونها؟ وإلى أين ستمضي؟
الباحثة سيلين دياز، التي نشرت في دورية “الطبيعة والسلوك الإنساني” عام 2025 ورقة حول الدور الخفي لجامعي النفايات في مواجهة أزمة المناخ، تُقدّر عدد العاملين في هذا القطاع غير الرسمي على مستوى العالم بأربعين مليون شخص، يتولّون جمع 58% من البلاستيك المُعاد تدويره عالميًا. هؤلاء ليسوا خارج المنظومة — هم المنظومة. وغيابهم عن خرائط التخطيط الحضري ليس خطأً إحصائيًا؛ إنه موقف سياسي يتجاهل الدور الذي يؤدّونه.
النموذج الآسيوي: حين تدخل المنظومة إلى النسيج المعماري
ثمة دول قرّرت أن تتعامل مع هذه المعادلة بجدية معمارية. اليابان وكوريا الجنوبية لا تُمثّلان نموذجًا في إعادة التدوير فحسب، بل في إدماج منظومة التدوير في النسيج المعماري للمدينة نفسها. في طوكيو وسيول، لا تُوضع النفايات عشوائيًا؛ ثمة مساحات محددة بدقة أمام كل مبنى لأيام جمع محددة، مع فصل واضح بين أنواع المواد. ومن حيث التصميم الداخلي للمجمعات السكنية، يُخصَّص في كثير من الأبراج فضاء مدروس في الطوابق السفلية خصيصًا لعمليات الفرز — كما لو أن غرفة المصعد كانت بحاجة إلى مكمّل وظيفي.
والأهم من التفاصيل التقنية، أن هذه الثقافة نجحت لأنها لم تُطلب من المواطن دون أن تُبنى له. دراسة يانغ وتشن المنشورة ضمن سلسلة مؤتمرات علوم المواد والهندسة حول تأثير الطبقة الاجتماعية على سلوك فرز النفايات في الصين تُشير إلى أن الارتفاع في مستوى الخدمات وقدر الاعتراف العام يرفع بشكل مباشر احتمال ممارسة الفرز. الاعتراف قبل الالتزام — هذه هي القاعدة المعمارية.
في السياق العربي، ثمة بوادر إدراك لهذا النهج في بعض المشاريع الخليجية الكبرى، لكن الأبنية السكنية في المدن الكبرى — القاهرة، بغداد، الدار البيضاء، عمّان — لا تزال تُنتج الفراغ غير الرسمي بمعدلات تفوق قدرتها على استيعابه. الأحياء العشوائية لا تنشأ فقط لأن الناس فقراء، بل لأن التخطيط لم يترك لهم مكانًا يستحقه ما يفعلونه
المدينة الحقيقية والمدينة المرسومة
حين تكشف دراسة داغادو وزملائه الصادرة في مجلة “شؤون الحضر” أن مجتمعات الدخل المتوسط في أكرا، غانا، تمارس فرز النفايات بمعدلات أعلى من مجتمعات الدخل المرتفع — وأن المشترين المتجولين يشكّلون الوصلة الاقتصادية التي تُكمل دورة هذا النظام — فإن هذه النتيجة لا ينبغي قراءتها كمجرد بيانات اجتماعية. ينبغي قراءتها كتشخيص حضري: المدينة الحقيقية تعمل على نحو مختلف جذريًا عن المدينة المرسومة على الخرائط.
المدينة الحقيقية تستوعب الاقتصاد غير الرسمي لأنها لا تملك خيارًا آخر. المدينة المرسومة تواصل تجاهله لأنها لا تملك أدوات استيعابه. والهوّة بين المدينتين هي، في نهاية المطاف، فراغ معماري لم يُصمَّم بعد — لكنه يُسكن كل يوم.
المدن التي ستنجح في القرن الحادي والعشرين لن تكون بالضرورة الأجمل ولا الأكثر ذكاءً تكنولوجيًا. ستكون تلك التي تتوقف عن تصميم ديكورات فوق اقتصادات لا ترى، وتبدأ بسؤال أكثر صدقًا: من يعيش في هذه المدينة فعلًا، وماذا يفعل فيها، وأين يحتاج أن نترك له مكانًا؟
✦ ArchUp Editorial Insight
إن تطبيع ظاهرة جمع زجاجات البلاستيك عبر الطبقات الاجتماعية المختلفة ليس في جوهره البنيوي قصةً عن سلوك إعادة التدوير أو الوعي البيئي — بل هو قصة عما رفض التخطيط الحضري باستمرار أن يُسعِّره. فكل مدينة تُنتج الفراغ غير الرسمي لا من باب الإهمال، بل من خلال منطق مشتريات يتعامل مع الاقتصاد غير الرسمي باعتباره تكلفة خارجية لا وظيفة مكوِّنة: المخطط الذي يرسم خريطة تقسيم المناطق يغادر المشروع قبل أن يصل جامع النفايات ليعمل في الفراغات المتبقية منه، والساكن الذي يفرز المواد في بهو السلم يتحمل تكلفة مكانية لم تُخصص لها أي وثيقة تصميم متراً واحداً. وما تكشفه الأدلة المقارنة المستقاة من سياقات متعددة — من جامعي الزجاجات في زغرب إلى المشترين المتجولين في أكرا الذين يُكملون دورة الفرز التي بدأتها البنية التحتية البلدية ناقصة — هو أن الاقتصاد غير الرسمي للنفايات لا يشغل الفجوات في المدينة المخططة بالصدفة؛ بل يشغل تحديداً تلك المساحات التي خصصها التخطيط الرسمي للانتقال والعتبات والفائض، المساحات التي لم تُرسم وظيفتها لأن مستخدميها لم يجلسوا قط على الطاولة التي جرى فيها الرسم. هذا هو نمط نقل المسؤولية يعمل على المقياس الحضري: المطور الذي يبني دون بنية تحتية للفرز يغادر عند التسليم، والبلدية التي تعتمد المخطط الرئيسي دون مسارات حركة غير رسمية تغادر عند حفل الافتتاح، وأربعون مليون جامع نفايات تُحدد دياز مسؤوليتهم عن 58% من البلاستيك المُعاد تدويره عالمياً يتحملون — في أجسادهم وصمتهم الاجتماعي وظروف عملهم المعتمة — التكلفة المتراكمة لكل قرار مكاني سبق وصولهم. والنماذج الآسيوية الموصوفة هنا لم تنجح لأن مواطنيها مهيَّئون ثقافياً للامتثال، بل لأن تسلسل المشتريات فيها عكس الترتيب المعتاد: البنية التحتية بُنيت قبل أن يُطلب السلوك، وهو انعكاس بالضبط لما تعجز معظم أنظمة التخطيط — العاملة وفق جداول زمنية رأسمالية تكافئ سرعة الاعتماد على حساب عمق البرنامج — عن تنفيذه بنيوياً، وهو شرط رصده هذا الأرشيف من زاوية مختلفة في التكلفة الخفية للتنفس، حيث أدى قرار تقليص رأس مال التهوية إلى نقل تبعاته الكاملة إلى رئتَي المستخدمين الذين لم يكن لهم صوت في اجتماع المواصفات.
المراجع
كورسونوفا، أ.، هالمي، م.، كورولا، أ.، ليفانن، ي.، وليما-تويفانن، م. “الاقتصاد الدائري القائم على الحاجة في السياقات منخفضة الدخل: كيف تحافظ ممارسات القطاع غير الرسمي على القيمة من أجل الدورية”. مجلة التغيير البيئي العالمي، 2022.
روزا، إ.، وسيريلي، ك. “النبش في القمامة: بين الهشاشة والتهميش والوصول إلى المدينة — حالة الروما في تورينو ومرسيليا”. مجلة البيئة والتخطيط أ: الاقتصاد والفضاء، 2018.
توماس، ك.، وشارب، ف. “فهم تطبيع سلوك إعادة التدوير وتداعياته على السلوكيات البيئية الأخرى: مراجعة للمعايير الاجتماعية وإعادة التدوير”. مجلة الموارد والحفاظ وإعادة التدوير، 2013.
إيغارتنر، أ.، وهولمز، هـ. “تحول المفاهيم حول تقليص النفايات وتجنبها في أخلاقيات التقتير: مقارنة بين روايات المراقبين الجماهيريين على مدى ثلاثة عقود”. مجلة الجيوفوروم، 2022.
إيير، إ. س.، وكاشياب، ر. ك. “إعادة التدوير لدى المستهلك: دور الحوافز والمعلومات والطبقة الاجتماعية”. مجلة سلوك المستهلك، 2007.
يانغ، هـ.، وتشن، ج. “آلية تأثير الهوية الطبقية والقيم البيئية على سلوك تصنيف النفايات”. سلسلة مؤتمرات معهد الفيزياء: علوم المواد والهندسة، 2019.
شاه، ب.، ويانغ، ج. ز. “حين تكون الفضيلة مكافأتها الخاصة: كيف تؤثر المعايير على استعداد المستهلكين لإعادة التدوير وإعادة الاستخدام”. مجلة التنمية البيئية، 2023.
داغادو، ب. ك.، ساغو، ج.، وأوتنغ-أبابيو، م. “التأثير المعياري على نية فرز النفايات المنزلية: تأملات من مدينة أفريقية ذات دخل متوسط منخفض”. مجلة شؤون الحضر، 2024.
دياز، س. م. “الدور الخفي لجامعي النفايات في مواجهة تحديات المناخ”. مجلة الطبيعة والسلوك الإنساني، 2025.







