فخور بكوني معماري

يؤدي المعماريون دوراً حيوياً في المجتمع من خلال ابتكار المساحات المادية التي تدور فيها جميع الأنشطة البشرية. وبناءً على إرث تاريخي طويل، تتولى المهنة إدارة أنظمة فنية (تقنية) معقدة لتشييد مبانٍ متينة تصمد عبر الأجيال وتشكل البيئة المعيشية للمجتمعات.
وعلى الرغم من أهميتهم التاريخية ومسؤولياتهم التقنية، يواجه المعماريون غالباً حالة من التهميش عندما يتم التعامل مع التصميم كقشرة تجميلية (Cosmetic surface) بدلاً من كونه ضرورة هيكلية. ويبقى الهدف الأسمى للمهنة هو تجاوز إنجازات الماضي لتوفير مأوى مستدام ومساحات ذات مغزى للأجيال القادمة.
هناك بيتُ شِعرٍ محفورٌ فوق مدخلٍ في الرياض، وقصةُ كيف تغيّرت فيه كلمةٌ واحدة تكاد تروي لك كلّ شيءٍ عن سببِ فخري بما أفعل. حين بنى الملك عبدالعزيز قصرَه المربّع في العقود الأولى من القرن الماضي، نقش البنّاءُ فوق قاعة الاستقبال بيتاً قديماً مشهوراً، بيتاً يقول إننا لا نتّكئ على أمجاد من سبقونا:
لسنا وإن كرُمت أوائلُنا يوماً على الأحسابِ نتّكِلُ نبني كما كانت أوائلُنا تبني ونفعلُ مثلما فعلوا
قرأها الملك، فتوقّف عند العبارة الأخيرة. طلب من البنّاء أن يمحو أربع كلماتٍ ويستبدلها، فحيث قالت القصيدة «ونفعلُ مثلما فعلوا» أمر أن تُقرأ «ونفعلُ فوقَ ما فعلوا». حرفٌ واحدٌ تبدّل، وعمليةُ تحريرٍ صغيرةٌ أُجريت على جدار، فدارت حضارةٌ بأكملها على محورها. لم يكن المؤسس راضياً بتكرار ما فعله الآباء، بل أراد أن يقف على أكتافهم ليرتفع. والشخص الوحيد في هذه البلاد الذي سمع ذلك التصحيح حقاً، وأدرك في أعماقه ماذا يعني أن تبنيَ «فوق» لا أن تبنيَ «بجانب»، كان المعماري. لطالما كان المعماري. وهذا هو الأسبوع الذي نُمنح فيه فرصةً لنتذكّر ذلك، وأنا عازمٌ على اغتنامه.
في الأيام الأولى من أكتوبر يحتفل العالم بيومٍ يخصّنا نحن، اليوم العالمي لـالعمارة، وقد اختير شعارُه هذا العام بسيطاً وثقيلاً في آن، أنّ السكن حقٌّ من حقوق الإنسان وأنّ علينا أن نبنيه. أقرأ هذه الجملة فأشعر بثقل المهنة كاملاً يهبط على صدري، لأنها موجّهةٌ إليّ. لا إلى الاقتصادي الذي يحسب النقص، ولا إلى السياسي الذي يعِد بالوحدات، بل إليّ أنا، الذي يجب عليه فعلياً أن يجعل السقف موجوداً في هذا العالم، من حديدٍ وخرسانةٍ وظلٍّ وضوء. لذلك، في هذا اليوم، لن أكون متواضعاً، لأن التواضع صار نوعاً من الكذب الذي نقوله عن أنفسنا. سأقولها بالطريقة التي تستحقّ أن تُقال بها: أنا فخورٌ لأنني معماري.
الذي تحت سقفه يحدثُ كلُّ شيءٍ آخر
دعني أخبرك مَن أنا دون اعتذار. أنا الذي تؤدّي كلُّ مهنةٍ أخرى عملها تحت سقفه. تأمّل الطبيب، زميلي العزيز المبجّل، فهو لا يستطيع أن يداويَ من دوني. حتى لو سافر إلى أبعد قرية، سيحتاج إلى سقفي ممدوداً فوق يديه قبل أن يفتح جسداً ويغلقه من جديد. القاضي يحتاج قاعتي، والمعلّم يحتاج غرفتي، والتاجر يحتاج شارعي، والمصلّي يحتاج قبّتي. مسرحُ الحياة الإنسانية كلّه يُقام داخل ما أرسمه، ومع ذلك نادراً ما يلتفت الممثّلون إلى المسرح نفسه، إلى الشيء الذي يجعل دخولهم وخروجهم ممكناً.
ولا تظنّ أن ما أفعله أبسطُ ممّا يفعلون. حين يخطّط الجرّاح لعمليةٍ من شقّها الأول حتى تعافي المريض، فإنه يعبر سلسلةً قد لا تتجاوز مئة مهمة، وأقول هذا احتراماً لا منافسة. أما حين أخطّط أنا لمبنى، فإن بنية العمل أمامي تنفجر إلى أكثر من ثلاثة آلاف عنصرٍ متشابك، من الضربة الأولى للفكرة التصميمية، مروراً بالدراسات والتراخيص والعطاءات والعقود والحفر والأساسات وسلامة الموقع والسور المؤقّت، وصولاً إلى الخرسانة والحديد والشدّات والدعائم. ما تراه أنت هيكلاً رمادياً بسيطاً يقف في وجه السماء ليس بسيطاً إطلاقاً، إنه انفجارٌ أُمسِك في حالة سكونٍ تام، يتفاوض فيه الحديد مع الخرسانة، ويسند الخشبُ الصبّ، كلُّ نظامٍ متميّزٌ وكلُّ نظامٍ معتمدٌ على سائر الأنظمة. يجب أن أعرفها جميعاً. يجب أن أقف فوق المهندس المدني والإنشائي والميكانيكي، وفوق المقاولين والمتخصّصين، وأن أمسك هذا الشيء المنفجر كلَّه متماسكاً في عقلٍ واحد حتى يستقرّ غرفةً ينام فيها طفل. إن عملية البناء التي تمرّ بجانبها دون أن تُلقيَ لها بالاً هي أعقد مشروعٍ مدنيٍّ تحاوله أكثرُ المجتمعات على الإطلاق، ولا بدّ لأحدٍ أن يحمل كلّيّته. ذلك الأحدُ هو أنا.
من ظلّ الفرعون
أريدك أن تشعر بطول هذا النسب، لأنه مصدرُ الفخر لا مجرّد زخرفةٍ له. لقد كنتُ هنا منذ البداية. حين أراد الفرعون أن يكتب اسمه في وجه الأبدية، لم يستدعِ قائداً ولا كاهناً أولاً، بل استدعى القادر على جعل الحجر يهزم الزمن، وكان ذلك جدّي الأكبر، واقفاً في الصحراء بقصبةٍ وحبل، يقرّر أين يقع الظلّ عند الانقلاب الشمسي. وحين أراد اليوناني أن يجعل العقل مرئياً، أعطاني الرخام. وحين أراد الروماني أن ينقل الماء عبر الوادي والإمبراطورية عبر القارة، أعطاني القوس. وحين أراد الإيمان أن يرفع عين الإنسان إلى الأعلى، أعطاني القبّة والقبو والمئذنة، فلبّيتُ النداء في كلّ مرة. كنتُ هناك للفرعون، وأنا هنا للمواطن محدود الدخل الذي يحتاج غرفةً واحدةً صادقة، وكنتُ هناك للمؤسس وهو يضع أسس دولته الجديدة، وسأكون هناك، دون أدنى تبدّلٍ في إحساسي بالواجب، للمخترع القلق الذي يريد معبداً زجاجياً لآلاته. لقد احتاجني ستيف جوبز بقدر ما احتاجني خوفو. كلُّ واحدٍ منهم، على مدى خمسة آلاف عام، جاء إلى البابِ نفسه فطرَقه، وخلف ذلك الباب، في كلّ مرة، وفي كلّ قرنٍ وكلّ لغة، كان المعماري، يحوّل رغباتهم إلى مكانٍ يبقى بعد رحيلهم.
هذا ما أعنيه حين أقول إني صانعُ تاريخٍ لا مجرّدَ خادمٍ للحاضر. ينقذ الطبيب الحياة الماثلة أمامه، وهذا عملٌ مقدّس، لكنّ الحياة التي ينقذها ستنتهي يوماً. أما الغرفة التي أصنعها فستأوي حيواتٍ لم ألتقِها قطّ، وأجيالاً لن أراها أبداً، وستبقى واقفةً تلقي ظلّها وتحفظ هواءها بعد أن نصير كلانا اسمين على جدار. إن المدن هي سيرتي الذاتية مكتوبةً بخطٍّ لا يبهت. امشِ في أيّ حيٍّ قديم وأنت تقرأ عقول معماريين ماتوا قبل ألف عام، وقراراتهم لا تزال تحكم أين تنعطف وأين تتوقّف وأين يجدك الضوء. لا مهنةَ أخرى تكتب في وسيطٍ بهذا القدر من الدوام، وهذا الدوام مسؤوليةٌ قبل أن يكون مجداً، لأن الخطأ في عملي لا يختفي في نهاية الدوام، بل يقف قرناً كاملاً يوبّخني على الملأ.
ومع ذلك، أنا مظلوم
سأكون صادقاً في يوم عيدي، لأن الصدق هو الهديّة الوحيدة التي تستحقّ أن تُقدَّم. رغم هذه المكانة كلّها، أنا رجلٌ مظلوم، ونحن المعماريين مهنةٌ مظلومة. لقد تعلّم هذا العصر أن يعامل التصميم سلعةً جميلة، شيئاً حسناً يُشترى ويُباع ويُصوَّر، مجرّداً من الذكاء والصراع الذي أنتجه. يُعجَب بالمبنى كما يُعجَب بالثوب، لسطحه، بينما تمرّ القرارات الثلاثة آلاف تحت ذلك السطح دون أن تُرى أو تُنسَب إلى أصحابها. لقد سمحنا لأنفسنا بأن نُدفَع إلى هامش الحديث عن مشاريعنا، نُستدعى لنجمّل الأشياء بعد أن يكون آخرون قد اتّخذوا القرارات المهمة، كأنّ الجمال زينةٌ لا دليلاً مرئياً على حقيقةٍ بنيويةٍ عميقة.
تأمّل أين ينبغي أن أكون وأين أنا بدلاً من ذلك. يجب أن أقف بجانب حاكم البلد، وأن أقف بجانب أصغر مواطنٍ فيه، لأنني الذي يفهم المخطّط الكبير والباب الواحد معاً، الذي يعرف كيف تعمل المدينة فعلاً وتتنفّس وتفشل. نحن المعماريون أحقُّ من غيرنا بأن نكون العُمَد ورؤساء البلديات، لأننا نقرأ المدينة كما يقرأ الطبيب الجسد، نعرف دورتها ونقاط ضغطها وأعضاءها. ومع ذلك نادراً ما نجلس في ذلك الكرسي. ستحتفل الأخبار بالمطوّر والمسؤول والمستثمر، وتذكر المعماري، إن ذكرته أصلاً، في تعليقٍ صغير تحت صورة. وتكافئ المسابقات الكبرى الإيماءةَ النحتية وتنسى العقل الذي حلّ ألف مشكلةٍ صامتة ليجعل تلك الإيماءة تقف. هذا هو الجرح، وأُسمّيه لا للشكوى بل للتصحيح، لأن غاية منصةٍ مثل منصّتي، ويومٍ مثل هذا اليوم، أن أُظهر لك المهنة بحجمها الحقيقي لا بنسختها المصغّرة.
نبني فوق ما فعلوا
دعني أعود إلى الشطر المنقوش فوق باب الملك، لأنه يحمل الحجّة كلّها والمستقبل كلّه. كانت غريزة المؤسس صحيحةً تماماً، وكانت غريزةً معماريةً وإن خرجت من فم مَلك. أن نبنيَ فقط كما بنى الأجداد هو أن نقف مكتوفين ونسمّيَ ذلك ولاءً. أما أن نبنيَ فوق ما فعلوا فهو أن نكرمهم بتجاوزهم، أن نأخذ الجدار الموروث فنرفع عليه طابقاً جديداً لم يكونوا ليبلغوه وحدهم. هذا هو النوع الوحيد من الاحترام الذي يستطيع الماضي أن ينتفع به. والمعماري، أكثر من أيّ أحد، هو الذي يعيش داخل هذا التصحيح كلَّ يوم عمل، لأن كلَّ موقعٍ ألمسه يحمل الآباء فيه سلفاً، في نسيج المدينة القديمة، في المناخ الذي تعلّم أسلافي كيف يجيبونه، في المواد التي قدّمتها الأرض دائماً. ومهمّتي ليست أبداً أن أنسخهم ولا أن أمحوهم، مهمّتي أن أبنيَ فوقهم.
لهذا فإن العمل الجادّ للمهنة الآن، البحث المعماري وتجديد طريقة التدريس والتفكير، يهمّ أكثر من أيّ برجٍ منفرد. نحن نرث إنجاز الآباء، ونحن ممنوعون، بمنطق ذلك الشطر المنقوش، من مجرّد تكرار إيقاعه. انتظر المؤسس التغيير بصبر لكنه لم يتجمّد قطّ، وفهم ما يجب أن نفهمه من جديد، أنه لا تغيير بلا مقاومة ولا بناء بلا كلفة، وأن مكاسب الارتفاع أكبر دائماً من راحة البقاء على المستوى نفسه. إن أعمق استدامة هي هذا بالضبط، رفضُ استنفاد الإرث بالتكرار، والانضباطُ بإضافة طابقٍ جديدٍ حقيقيٍّ لا طابقٍ زخرفي، حتى يتلقّى الجيل الذي يلينا ارتفاعاً لا نسخة.
ولهذا، في هذا اليوم الذي يخصّنا، سأقول كلمة الفخر صريحةً وأدعها تقف، لأن المعماري كسب حقَّ قولها بعد خمسة آلاف عامٍ من قولها بالحجر بدل الكلمات. أنا الذي احتاجه الفرعون واحتاجه الفقير، أنا الذي تحت سقفه يداوي المداوي ويحكم القاضي وينام الطفل، أنا الذي يحمل ثلاثة آلاف عنصرٍ منفجر في عقلٍ واحدٍ هادئ فيصهرها مأوى، أنا الذي لا تقدر القرون على محو عمله. لقد وقفتُ عند كلّ بابٍ مهمٍّ طرقته البشرية يوماً، وأنا أقف الآن عند الباب التالي، وفي يدي حبلُ أسلافي وقصبتهم، وفي اليد الأخرى ثقلُ المدينة القادمة كاملاً، وسأفعل ما أمر به المؤسس من عتبة قصره. لن أفعل مثلما فعلوا، بل سأبني فوق ما فعلوا. هذا هو كلّ فخري، وهو يكفي.
✦ رؤية ArchUp التحريرية
يتطلب هذا المقال ملاحظة قبل تحليله، لأنه يخرج عن الإطار التحريري لمنصة ArchUp بطريقة توجد إرشادات التحرير الخاصة بالمنصة تحديداً من أجل التعرف عليها: إنه “بيان فخر مهني بضمير المتكلم”، كُتب بمناسبة يوم العمارة العالمي، وخطابه البلاغي يميل إلى “الاحتفاء” وليس إلى “القراءة التحليلية (الاستقصائية)” — وهو نوع أدبي (Genre) مشروع، ولكنه نوع يغلق الباب أمام “السؤال الهيكلي” الذي تثيره أقوى فقرة فيه. اللحظة الأكثر “صدقاً تحليلياً” في المقال هي اعترافه بالمظلومية: أن المهنة تُستدعى لجعل الأشياء جميلة “بعد” أن يتخذ آخرون الخيارات المهمة، وتُدفع إلى هامش المحادثة حول مشاريعها الخاصة، وتُذكر، إن ذُكرت أصلاً، في تعليق صغير أسفل صورة. هذا وصف دقيق لحالة حقيقية — لكن المقال “يخطئ في تشخيص سببها”، حيث يعزو تهميش المعماري إلى “فشل ثقافي في التقدير والاعتراف”، في حين يشير “السجل الهيكلي” الذي جمعه هذا الأرشيف إلى مكان آخر: المعماري لا يجلس بجانب الحاكم والمواطن لأن القرارات الحاسمة بشأن “ما يتم بناؤه” تُتخذ في غرف المشتريات (Procurement rooms)، وفي الهياكل التمويلية (Financing structures)، وفي أطر الحوكمة التي حددها مقال من يبني مدننا حقاً ومقال مكان للعبادة، أم مدرسة، أم مستشفى؟ كمركز “السلطة الفعلي”، حيث إن “الطرف الذي يتحكم في رأس المال هو الذي يتحكم في موجز المشروع (Brief)”. إن الادعاء بحمل ثلاثة آلاف عنصر متداخل في عقل واحد هو “ادعاء بالمركزية التقنية” (Technical centrality)، لكن المركزية التقنية “لم تمنح أبداً سلطة اتخاذ القرار” — وحزن المقال وشكواه هما بالضبط “البقية العاطفية” (Emotional residue) لتلك الفجوة: المسافة المحسوسة بين حتمية المهنة وأهميتها التي لا غنى عنها من أجل “التنفيذ”، وبين استبعادها من “الغرفة حيث تُتخذ الخيارات ذات العواقب” (Choices with consequences)، وهي مسافة لا يمكن لأي “فخر احتفالي بيوم المهنة” أن يغلقها، لأنها لم تكن أبداً ناتجة عن نقص في الفخر في المقام الأول.
إبراهيم فواخرجي — ArchUp






