ريتشارد روجرز: العمارة كآلة اجتماعية وفضاء ديمقراطي

في قلب باريس، يقف مبنى يبدو وكأنه سلّم جسده إلى الخارج: أنابيب ملونة وممرات ومصاعد زجاجية تزحف على الواجهة، بينما تظل الأرضيات الداخلية فارغة تماماً كصفحات بيضاء. مركز بومبيدو، الذي صممه ريتشارد روجرز مع رينزو بيانو عام 1971، أثار حينها سخط نصف باريس وضجيج الآخر، لكنه رسّخ فكرة ظلت تحكم مسيرة روجرز أربعين عاماً كاملة: المبنى آلة اجتماعية، وصدقها في إظهار كيف تعمل هو أمانتها لمن يستخدمها. من ذلك الانقلاب البصري على متحف القرن العشرين، إلى برج لويندز اللندني الذي طرد أنظمته كلها إلى الخارج تاركاً الداخل حرّاً، إلى قباب ومساحات عامة جعلت من العمارة خطاباً سياسياً عن حق الجمهور في المدينة، بنى روجرز واحداً من أكثر المسارات إثارة للجدل والتأثير في عمارة النصف الثاني من القرن العشرين.
من فلورنسا إلى لندن: تكوين خارج عن المألوف
وُلد ريتشارد روجرز في فلورنسا عام 1933 لأبوين إنجليزي وإيطالية، وانتقلت أسرته إلى بريطانيا قبيل الحرب. درس العمارة في مدرسة الرابطة المعمارية بلندن ثم في جامعة ييل، حيث التقى نورمان فوستر. في الستينيات أسس الشابان مع سوزي روجرز وويندy تشيزمان مكتب الفريق الرابع، وهو التجمّع الذي شكّل نواة ما سُمي لاحقاً حركة الهاي-تك البريطانية. كانت اللحظة الحاسمة عام 1971 حين كوّن شراكة مع رينزو بيانو، ففازا معاً بالمسابقة الدولية لمركز بومبيدو، المشروع الذي قذف كليهما إلى الشهرة العالمية.
مسابقة بومبيدو نفسها كانت حدثاً بمعزل عن نتيجتها: 681 مشاركة من 46 دولة، والتقطت نقاشات العصر كلها حول المرونة والضخامة ومراجعة الحداثة. التصميم الفائز اقترح ما وصفه الباحثون بالمركّب الحركي، مبنى يمكن إعادة تشكيل عناصره، مع كل الأنظمة الإنشائية والميكانيكية وحركة الناس مكشوفة على الخارج، انقلاب جذري على النمط المعهود للمتحف. أعلن الناقد رينر بانم أن المبنى تجسيد لضخامة جديدة، عمارة ملوّنة أولية حركية هي الصورة المدنية الأنسب للحياة الحديثة، ولاحظ دين هوكس أن المبنى صُمم كرسم تخطيطي: أحشاؤه في الخارج تتيح للزائر أن يفهم فوراً كيف يعمل وكيف يتنقل فيه. وقد وصفه بيانو لاحقاً بأنه مبنى شاب وفعلة وقاحة صبيانية، ومع ذلك يظل معلماً راسخاً في تاريخ العمارة.
لويندز: الكاتدرائية المقلوبة للمال
إذا كان بومبيدو هو البيان، فإن مبنى لويندز في مدينة لندن، المنجز بين 1978 و1986 مع أوف أروب وشركاه، هو التطبيق المتقن. طلب برنامج المسابقة قاعة تأمين واحدة ضخمة قابلة للتوسع، بأقصى مرونة لاستيعاب الاحتياجات المتغيرة. جاء ردّ روجرز مبنى من اثني عشر طابقاً ببهو مركزي شاسع تحيط به ستة أبراج تابعة. بتركيز حركة الناس والأعمدة الحاملة في الأبراج الخارجية، بقيت الأرضيات الداخلية خالية تماماً من أي عائق. كل الخدمات، من مصاعد وسلالم ومداخن ومجارٍ، معبَّر عنها على الواجهة. صُمم المبنى على شبكة ثابتة تتيح إعادة التشكيل الداخلي بأقل تعطيل، وصُممت الأنظمة لتحل محلها بسهولة، تجسيداً لفلسفة روجرز التي تقول إن الحاوية الرئيسية للمبنى قد تُصمم لتدوم مئات السنين بينما الخدمات عمرها أقصر بكثير. ومن منظور المستأجر، وسّعت لويدز طوابقها وضيّقتها بيسر نسبي، وأسكن مفهوم القرية العمودية مجتمع لويدز كله تحت سقف واحد.
المرونة عقيدة لا ميزة
الخيط الذي يربط مشاريع روجرز الكبرى ليس شكلاً بل عقيدة: المبنى إطار فضفاض تُحدث فيه الحياة ما تشاء. بومبيدو صُمم إطاراً ضخماً واسعاً يمكن أن يحدث فيه أي شيء، ولويندز صُمم على شبكة ثابتة تتيح إعادة التشكيل الداخلي بأقل تعطيل، والقبة كانت مظلة هائلة فوق مناطق محتوى تتغير. هذه العقيدة تنبع من قراءة روجرز للزمن المعماري: استخدامات المبنى تتغير حتماً خلال عقده الأول، فالتصميم الذكي لا يقاوم التغير بل يستقبله. وحين سألته الأجيال الشابة عن معنى الديمومة في عمارة معرضية مؤقتة النزعة، كان جوابه عملياً: الديمومة ليست في الاستخدام بل في البنية، حاوية تدوم قروناً تخدم أجيالاً لا نعرف احتياجاتها، وخدمات تتبدل كما تتبدل التقنية ذاتها. بهذا المنطق كان روجرز يعالج مشكلة نادرة الاهتمام في مهنة تشتغل غالباً بلحظة الافتتاح: ماذا يحدث للمبنى في الخمسين عاماً التالية؟
قبة الألفية: الجدل الذي صنع مكاناً
على شبه جزيرة غرينتش، صمم روجرز ما ظل أكثر مشاريعه جدلاً جماهيرياً: قبة الألفية، أكبر بناء من نوعه في العالم بغطاء من ألياف زجاجية معالجة يمتد على ثمانين ألف متر مربع. صُممت القبة مظلة هائلة فوق مناطق محتوى معرضي، ووفّر المشروع دفعة لتجديد ثلاثمائة فدان من أراضٍ متدهورة سابقاً على الشبه الجزيرة. حلّل الباحثون القبة بوصفها تصريحاً ثقافياً عن المكان والذاكرة والهوية، وكما كتب أحد المعلقين، فإن الجدل الغاضب حول القبة يبرز قوة مشاعرنا تجاه المكان ذاته. المشروع الذي بدأ فضيحة إعلامية صار لاحقاً قاعة الأو2، أحد أنشط صالات الأحداث في العالم، وهي مفارقة تختصر علاقة روجرز بالجمهور: مبناه غالباً يُفهم متأخراً.
مركز ماغي: العمارة التي تهدّئ
على النقيض تماماً من تلك الضخامة، صمم مكتب روجرز ستيك هاربور وشركاه مركز ماغي لرعاية مرضى السرطان بمستشفى تشارينغ كروس بلندن عام 2008، إثباتاً أن مبادئ الهاي-تك نفسها تصلح للإنسانية الصغيرة. المركز، المحشور بين طريق رئيسي مزدحم وطارئ المستشفى، صُمم واحة سكون، حيث تسمع المطر أكثر من زئير السيارات. سقف عائم يحجب عن الزائر جسم المستشفى المهيب، ومفهوم مطبخية يجعل طاولة مزرعة في القلب تُشعر الزائر بأنه في بيته فور دخوله، وحديقة مدمجة بعناية. عبارة مديرة المركز تختصر الفلسفة: العمارة أداة مفيدة تساعد الناس على الانفتاح، والتواجد في مكان جيد يخفض مستويات القلق. بين مبنى تأمين بمئات الملايين ومركز رعاية بمساحة بيت، كان روجرز يكرر السؤال نفسه: كيف يخدم الفراغ من بداخله؟
فلسفة المدينة المدمجة والفضاء الديمقراطي
في محاضرته بكلية بارتليت للتخطيط عام 2011، لخّص روجرز رؤيته الحضرية بوضوح نادر. المدينة المدمجة جيدة الاتصال، كما قال، تشجّع الخلط الاجتماعي والمشي وركوب الدراجات واستخدام النقل العام، وهي الشكل الوحيد المستدام بيئياً للبناء الحضري، فالضواحي تستهلك نحو ثلاثة أضعاف طاقة المدن المدمجة. أما عن الفضاء العام فكانت عبارته أشهر ما قاله: الفضاء العام للمنفعة العامة وحق ديمقراطي، فكما يحتاج الناس إلى الطعام، الفضاء العام حاجة أساسية للجميع، صغيراً كان أو كبيراً، غنياً أو فقيراً. ونبّه إلى الفرق بين النسخ والتعلّم: النسخ مضيعة كاملة للوقت، بينما التعلّم من أعمال الآخرين ضرورة، وقد استلهم ساحة ديل كامبو في سيينا حين صمم الساحة أمام مركز بومبيدو. وفي التعليم دعا إلى درجة أولى موحدة في البيئة المبنية تُدرَّس فيها العمارة والتخطيط والنقل والهندسة المدنية وهندسة المناظر معاً قبل التخصص، وهو نموذج مطبق أصلاً في أوروبا القارية.
الهاي-تك: التقنية بوصفها لغة لا حيلة
كان روجرز شخصية محورية في حركة الهاي-تك التي سعت إلى التعبير عن إنشاء المبنى وخدماته ووظيفته عناصرَ مرئية مقروءة. لكن الخيال التقني خلف بومبيدو ولويندز لم يكن كفاءة هندسية فحسب، بل صناعة لغة معمارية جديدة. كما حاجّ هوكس في تحليله، كانت النية الثقافية للمعماريين تحدي اتفاقية المتحف كمؤسسة ذاتها، واختاروا إنشاء المبنى ومادته وآليته، أي تقنيته، أداةً لتحقيق تلك الغاية. صُمم بومبيدو إطاراً فضفاضاً ضخماً يمكن أن يحدث فيه أي شيء، بجسور ضخمة ترتكز على عناصر جربيريت مثبتة بالأعمدة، حلاً ميكانيكياً يحمل صفات حيوية أيضاً، بهيكل عظام وأوتار وأحشاء خدمية خارج الجلد الزجاجي. هذه الثنائية، آلة في مظهرها وحيوان في سلوكها، هي ما جعل الهاي-تك في أفضل حالاته عمارة إنسانية متنكرة في زي معدني.
التكريم والإرث
تقاطرت الأوسمة على روجرز عبر نصف قرن: لقب فارس عام 1991، ثم عضوية مدى الحياة في مجلس اللوردات بلورد روجرز أوف ريفرسايد عام 1996، وجائزة بريتزكر عام 2007 التي توازي نوبل في العمارة، والميدالية الذهبية الملكية من معهد المهندسين المعماريين البريطانيين عام 1985، وجائزة بريميوم إمبريال عام 2000. وترأس فريق العمل الحضري الحكومي البريطاني الذي أصدّر عام 1999 تقرير نحو نهضة حضرية، الوثيقة التي أثّرت بعمق في السياسات الحضرية البريطانية. توفي في 18 ديسمبر 2021 عن ثمانية وثمانين عاماً، تاركاً مكتبه، روجرز ستيك هاربور وشركاه، يمارس عالمياً. أما أفكاره عن المدن المدمجة المستدامة اجتماعياً فقد صارت خطاباً سائداً في التخطيط الحضري، بعد أن كانت موضع سخرية عقوداً. عبارته الأخيرة تستحق أن تُحفر: العمارة هي التجسيد المادي لثقافتنا وبيئتنا الاجتماعية وحياتنا الاقتصادية، ونحن نبني المدن فتشكّلنا، فالمدن تستطيع أن تأنّسنا أو توحشنا بحسب جودة التصميم.
قبل وفاته بسنوات، كان روجرز يعلم أن معاركه الكبرى انتصرت صورياً وخسرت واقعياً. المدن المدمجة صارت بنداً في كل دليل تخطيط، والاستدامة شعار كل مطور عقاري، بينما تتمدد الضواحي أكثر من أي وقت مضى وتُباع الأرصفة لصناديق الثروة. لكن هذا بالضبط ما يجعل عبارته عن الفضاء العام حقاً ديمقراطياً أشد إلحاحاً اليوم مما كانت حين قيلت: إنها لم تعد وصفاً لواقع بل معياراً لمحاسبة واقع. جيل المعماريين الحالي يرث من روجرز سلاحين: مبنى يشرح نفسه في زمن التزييف البصري، ومدينة تُقاس بجودة أسواقها وميادينها لا بأسقفها الملتوية. وهذان السلاحان لا يشيخان.
✦ ArchUp Editorial Insight
قراءة مسيرة روجرز اليوم، بعد خمسين عاماً على بومبيدو، تكشف أن الجدل الذي أثاره لم يكن عن الجمال بل عن الصدق. إخراج أحشاء المبنى إلى الواجهة كان فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون جمالياً: إعلان أن على العمارة أن تشرح نفسها لمن يخدمهم، لا أن تتخفى وراء واجهات محايدة. هذه الأخلاقيات التعبيرية هي ما يميز الهاي-تك الحقيقي عن محاكياته اللاحقة التي اختزلت الأسلوب في أنابيب لامعة بلا منطق. مبنى لويندز، بأرضياته الحرة القابلة لإعادة التشكيل، يقدّم درساً في مشاريع الطول عمر: التصميم لما لا نعرفه بعد، وهو عكس كامل لمنطق المباني المخصصة لاستخدام واحد يموت بانتهائه.
لكن الإرث الأبقى لروجرز يقع خارج مبانيه الشهيرة: في فكرته أن الفضاء العام حق ديمقراطي كالطعام. هذه الجملة، في زمن تُخصخص فيه الساحات وتُدار الشوارع بمصلحة تجارية، صارت أداة نضال مهني للمعماريين والتخطيطيين في كل مدن العالم. مفارقة مسيرته أنه ناضل من داخل المؤسسة، من مجلس اللوردات إلى رئاسة فرق حكومية، فاتهمه البعض بالاندماج بينما أنقذ هذا الموقع أفكاره من العزلة. العبرة لطلبة العمارة: المبنى الذي يشرح نفسه والمدينة التي تحتضن الجميع ليستا ترفاً جمالياً، بل هما المعيار الذي سيُحاكم به إرث كل معماري، كما يُحاكم به اليوم إرث روجرز، بصفاء نادر.
المراجع
- روجرز ر. موجز: التعلّم من الاستمرارية والتغير. وقائع مؤسسة المهندسين المدنيين – التصميم والتخطيط العمراني. 2011؛164(1):3-5. doi:10.1680/udap.1000045
- هولدن س. البنى الضخمة والمعالم. مجلة فابريكيشنز. 2012؛21(2):83-112. doi:10.1080/10331867.2012.10739946
- فريكر ج. الرعاية عبر العمارة. مجلة لانسيت أونكولوجي. 2008؛9(6):521-522. doi:10.1016/s1470-2045(08)70146-3
- آتلينغ د، ويلمان ب. وطن جديد للويدز. مجلة الإلكترونيات والطاقة. 1986؛32(11-12):819. doi:10.1049/ep.1986.0475
- فيليبس ن ج. مبنى لويدز. مجلة العقارات المؤسسية. 1999؛1(3):294-297. doi:10.1108/14630019910811097
- شيلدراك ب. الهوية الإنسانية وخصوصية المكان. مجلة سبيريتوس. 2001؛1(1):43-64. doi:10.1353/scs.2001.0018
- بوشانان ب. رينزو بيانو: شاعر التقنية. مجلة التصميم المعماري. 2015؛85(2):88-93. doi:10.1002/ad.1881
- هوكس د. الخيال التقني: تأملات في العلاقة بين التقنية والتصميم في العمارة. مجلة العمارة. 1996؛1(4):335-346. doi:10.1080/136023696374613
من فريق تحرير ArchUp
الإلهام يبدأ من هنا. تعمّق أكثر في العمارة، والتصميم الداخلي، والأبحاث المعمارية، والمدن، والتصميم، وأحدث المشاريع على ArchUp.






